الصفحة 128 من 153

ولئن بلغ شعر الملاحم قديما وحديثا مبلغ الجودة فهناك قصائد إسلامية ذات نفس طويل ولا تقل جوده وإبداع عن القصائد الملحمية. ونتخير من هذا اللون قصيدة الشاعر (البوصيري) مع قصائد أخرى لشعراء آخرين.

تشتمل قصيدة البوصيري على ما يقرب من ستين ومائة بيت على حسب ما حرره محقق الديوان محمد سيد كيلاني.

ومطلع هذه القصيدة غزل عذري عفيف نحا فيه البوصيري منحى الشعر الإسلامي حيث الوصف المجرد البعيد عن تسقط العورات وأوصاف المحاسن، والعهر والفحش، غزل يتسم بالإبداع والصور الفنية المعبرة عن تباريح الشوق والهيام من غير إثارة لما لا يحسن من تهالك وصبابة تؤدي إلى ما لا يليق بالشاعر المسلم في هذا الغرض من أغراض الشعر، ويبدأ مطلع القصيدة بقوله:

أمن تذكر الجيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم؟

أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من أضم؟

فما لعينك إن قلت اكففا همتا ... وما لقلبك إن قلت استفق يهم؟

أيحسب الصب أن الحب منكتم ... ما بين منسجم منه ومضطرم

لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل ... ولا أرقت لذكر البان العلم

فكيف ينكسر حبا بعد ما شهدت ... به عليك عدول الدمع والسقم

وأنبت الوجد خطى عبرة وضنى ... مثل البهار على خديك والعنم

نعم سرى طيف من أهوى فأرقني ... والحب يعترض اللذات بالألم

يا لائمي في الهوى العذري معذرة ... مني إليك ولو أنصفت لم تلم

وبعد هذا المطلع الرقيق الشفاف يخلص البوصيري إلى النصح وعظا مذكرا بسوءات النفس الإنسانية ما لم يكبح جماحها صاحبها، وأنه إن أطاعها في تلبية ما تشتهي أوردته المهالك وأنه أن جاهدها بالتقوى والحذر سلم وسلم منه غيره.

إني اتهمت نصيح الشيب في عذل ... والشيب أبعد في نصح من التهم

فإن أمارتي بالسوء ما اتعظت ... من جهلها بنذير الشيب والهرم

من لي برد جماح من غوايتها ... كما يرد جماح الخيل باللجم

فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها ... إن الطعام يقوى شهوه النهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت