الصفحة 111 من 153

وهذا الإغراب في هذه الألفاظ لم يكن وليد صنعة وتكلف وإنما هو نسيج الشاعر المطبوع الذي يصور بيئته بالحس واللمس واللسان فالبيئة التي نشأ فيها كعب بن زهير بيئة جاهلية وهذه القصيدة جاءت أول دخوله في الإسلام حيث لم يزل حديث العهد بحياة الجاهليين.

وحين أسلم وانتقل من حظيرة الجاهلية إلى حياة الإسلام لانت عريكته وسلس طبعه وانقادت له لغة القريض على نحو من هدي الإسلام الذي يهذب النفوس والطباع فيلين مع ذلك الفن الذي يزاوله الشاعر مع فخامة وشدة أسر فاسمع لقوله من شعره الإسلامي حين حسن إسلامه فرق ولان وسهل وانسابت له المعاني الإسلامية من ذلك قوله:

لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعى الفتى وهو مخبؤ له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهم منتشر

والمرء ما عاش محدود له أمل ... لا ينتهي العيش حتى ينتهي الأثر

وقال ابن الأثير ومما يستحسن له قوله:

مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل

ومن دعا الناس إلى ذمة ... ذموه بالحق والباطل [1]

ولنعد إلى قصيدته"بانت سعاد"

في هذه الرائعة يتجلى الإبداع في وحدات كل بيت يحمل صورة أدبية وبخاصة حين دخل الشاعر كعب في الغرض الرئيسي منها وهو مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتبرز ملامح الإبداع في توفيق الشاعر إلى ما يحب أن يمدح به النبي الكريم، فإن أسمى ما يمدح به محمد صلى الله عليه وسلم أنه النور الفائض على العالمين:

إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول

ومن أرفع الصفات وأطيب الخلال أن يثني على محمد صلى الله عليه وسلم بالشجاع والعفو عند المقدرة.

نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول

(1) الشعر في موكب الدعوة 7 صادق لعبدالحليم محمد ص 177، 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت