وبعد هذا التمهيد للغرض يبدأ الشاعر في المديح موجها الخطاب إلى رسول الهدى لقوله:
نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
ويستمر مديح الشاعر وثناؤه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومديح صحابته والنور الذي جاء به من عند الله إلى أخر القصيدة.
وإذا تأملنا الخصائص الفنية الرائعة فإن القول عن قوالبها يستدعي الوقوف على ما حوته هذه القوالب من معان شريفة سامية. فإن الإبداع لا يقف عند حد اللفظ السهل الكريم أو المعنى السامي الشريف وإنما لكل منهما أثره في إيجاده الشاعر وتلك مسألة عرضت لها مصادر النقد الأدبي القديم وبسطتها على نحو مما جاء في البيان والتبيين للجاحظ، والصناعتين لأبي هلال العسكري، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي، وأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبدالقاهر الجرجاني والمثل الثائر لابن الأثير. حتى انتهى عبدالقاهر الجرجاني بهذه القضية إلى أن المزية كل المزية ليست في اللفظ وحده ولا في المعنى وحده وإنما في النظم.
ومن هنا فإن مزايا الإبداع في قصيدة (كعب بن زهير) لا تقف عند حد الإجادة في الألفاظ وخصائصها، ولا تقف عند حد الإجادة في المعاني وخصائصها وإنما تبرز ملامح الجودة والإبداع في كل واحدة من وحدات هذه القصيدة العصماء لفظا لفظا وتركيبا تركيبا ومعنى وخيالا وعاطفة وصورة أدبية، الأمر الذي حدا بعلماء النقد والأدب عبر تاريخ الفكر الإسلامي إلى تناول هذه القصيدة بالشرح والنقد والتحليل.
ولعل أكبر خصوصية تطلعنا في أسلوب القصيدة هو إكثار كعب رضي الله عنه من الألفاظ الغريبة التي تحتاج إلى تقصي معاجم اللغة للإبانة عن معانيها. وبخاصة ما ورد من كلمات في وصف الناقة وسيرها والطريق التي تسلكها فقد جاء في عدد من أبيات القصيدة ما يزيد على ثلاثين لفظة منها:
عذافرة. أرقال، تبغيل، الذفري، لهق، الحزان، شمليل، عبرانة، برطيل، قنواء، علكوم، زهاليل.
أطوم، الأكم، العساقيل، مصطخما، مثاكيل، رعابيل، خراذيل، معازيل، القفعاء، التنابيل.