وقد أشرنا إلى شيء من خصائص شعر كعب فيما سبق ولعله يكفي في الوقوف على مواطن الإبداع في شعره [1] .
وإذا كانت هذه الدراسة إنما تعنى بتفحص مواطن الإجادة والإبداع في عدد من نصوص الخطابة والقصة والشعر، واستجلاء الخصائص الفنية في كل نص يختار. إذا كانت الغاية من هذه الدراسة هو ما ذكرنا فإنه يحسن الوقوف على تبين المادة الأدبية التي يستمد منها الشعر الإسلامي معانيه ومبانيه، ويحسن الوقوف - أيضا - على أغراض هذا اللون من الشعر.
ولإن قيل: هل هناك فرق بين هذا الشعر وغيره من نصوص الشعر العربي في المادة والغرض؟؟ لإن قيل هذا فالجواب أنه لا فرق بين نصوص الشعر من حيث القوالب فهذا وذاك بلسان عربي مبين، ولكن هناك فرق بين اللونين من حيث الغاية والغرض.
ومن هنا نجد نصوص الشعر ذي النزعة الإسلامية متميزا على غيره من نصوص الشعر في هذا الشأن، لأن الشعر الذي غايته بسط محاسن الشريعة الإسلامية والذب عنها وتوجيه المجتمع وخدمة الفضيلة لا بد أن يكون متميزا في شكله ومضمونه.
ولا بد أن يرقى في خصائصه الفنية إلى ذروة الإجادة والإبداع لأنه ذو كلمة طيبة والكلمة الطيبة لا تخدم إلا معنى غائيا طيبا ولإن قيل: لكن مادة الشعر العربي كله هو الكون ومن فيه ومن عليه فلا فرق بين نصوص الشعر التي تستمد معانيها وأغراضها من عوالم الطبيعة صامتها ومتحركها.
فالجواب نعم لا فرق في كنه المادة حجما ولونا. ولكن هناك فرق في تسخير هذه المادة وتطويعها لخدمة الفكر والأدب بما ينفع الناس .. فهل نقرن قول الشاعر العربي:
دع المساجد للعباد تسكنها ... وقم بنا نحو حانوت ومزمار
هل نقرن هذا البيت بقول الشاعر الإسلامي:
فدع عنك سوءات الأمور فإنها ... حرام على نفس التقي إرتكابها
واد زكاة الجاه وأعلم بأنها ... كمثل زكاة المال تم نصبها
وأحسن إلى الأحرار تملك رقابهم ... فخير تجارات الكراء إكتسابها [2]
(1) أنظر ص 197، 180 من هذه الدراسة.
(2) ديوان الإمام الشافعي ص 51 تحقيق الدكتور/ محمد عبدالمنعم خفاجي.