الصفحة 104 من 153

اشتملت وحداتها العضوية على صور أدبية فنية. صاغها - كعب رضي الله عنه - بريشة الشاعر المبدع. فجاءت قصيدته خطابا للعقل والعاطفة متسمة بالواقعية والتاريخ والصدق الشعوري. وهذه الخصائص مجتمعة تؤكد ثبوت الشعر الإسلامي وقوته وتفاعله وأثره وتأثيره وإن ما يراه بعض النقاد قدماء ومعاصرين عن أن الشعر الذي نظمه شعراء الإسلام من الرعيل الأول فقد بعض السمات الفنية من توهج العواطف، والإبداع في الصورة، وسعة الخيال، وتميز بخصائص أخرى كفطور العاطفة ونضوج الصورة وضيق الخيال، حكم فيه تسرع والفيصل فيما ذهب إليه هؤلاء النقاد أن نستمع إلى شيء من قصيدة كعب فهي البرهان على خلاف ما يرمون إليه.

يقول رضي الله عنه وأرضاه:

ألا هل أتى غسان عنا ودونهم ... من الأرض خرق سيره متنعنع

صحار وأعلام كأن قتامها ... من البعد نقع هامد متقطع

مجالدنا عن ديننا كل فحمة ... مذربة فيها القوانس تلمع

ولكن ببدر سئلوا من لقيتم ... من الناش والأنباء بالغيب تنفع

وأنا بأرض الخوف لو كان أهلها ... سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا

إذا جاء منا راكب كان قوله: ... أعدوا لما يزجى ابن حرب ويجمع

نجالد لا تبقي علينا قبيلة ... من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا

وقال رسول الله لما بدوا لنا ... ذروا عنكم هول المنيات وأطمعوا

فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى ... وليس لأمر حمه الله مدفع

ضربناهم حتى تركنا سراتهم ... كأنهم بالقاع خشب مصرع

ونحن إناس لا نرى القتل سبة ... على كل من يحمى الذمار ويمنع

بنو الحرب لا نعيا بشيء نقوله ... ولا نحن مما جرت الحرب نجزع

إلى أخر ما قال كعب رضي الله عنه - في هذه الرائعة الحماسية التي تقارب أبياتها خمسين بيتا، كل بيت يعبر عن معنى سام شريف تتلاحق فيه الصور حتى كأن السامع يشاهد المعركة الإسلامية عيانا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت