أما ألفاظ الشاعر من حيث الجزالة والفخامة فإنها لبنات مرصوصة يأخذ بعضها بحجز البعض.
وأما من حيث السهولة والعذوبة فألفاظ من نهر جار سلسبيل ومن حيث الوعورة والغرابة فشعر كل ألفاظه وجمله وتراكيبه بناء فني خال من التكلف والتقعر، ولا ريب في توافر هذه الخصائص في شعر كعب وغيره من شعراء الإسلام لأن دين الله تعالى ثقل نفوسهم وهذب طباعهم وألان عريكتهم وميز بينهم وبين غيرهم في السلوك مظهرا ومخبرا، فجاء أدبهم أدبا حيا خالدا سحا غدقا يهتف بالإيمان من أجل الإيمان ويزرع الخير في الحياة للأحياء حبا وأمنا وسلاما ورعاية لأنه دين الله تعالى للناس أجمعين.
ولكعب رضي الله عنه باع طويلة في الشعر أورد أخباره صاحب الأغاني: من ذلك قصيدته في حادثة قتل عثمان رضي الله عنه، فقد وقف كعب على مجلس الأنصار في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنشد:
من مبلغ الأنصار عني آية ... رسلا تقص عليهم التبيانا
إن قد فعلتم فعلة مذكورة ... كست الفضوح ولبدت الشنئانا
الله يعلم أنني لم أرضه ... ... كم صنيعا يوم ذاك وشانا
يا لهف نفسي إذ يقول: ألا أرى ... نفرا من الأنصار لي أعوانا
قوم يرون الحق نصر أميرهم ... ويرون طاعة أمره إيمانا
إن يتركوا فوضى يروا في دينهم ... أمرًا يضيق عنهم البلدانا
فليعلين الله كعب وليه ... وليجعلن عدوه الذلانا
محصن الضرائب ماجدا أعراقه ... من خير خندف منصبا ومكانا
عرفت له عليا معد كلها ... بعد النبي الملك والسلطانا
من معشر لا يغدرون بذمة ... كانوا بمكة يرتعون زمانا
يعطون سائلهم ويأمن جاره ... فيهم ويرمون الكماة طعاما
ومما أورده صاحب الأغاني من أخبار كعب: أن قريش كان يهجوهم ثلاثة نفر من الأنصار: حسان بن ثابت وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحه قال: وكان حسان وكعب يعارضان قريشا بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر، ويعيرانهم بالمثالب، وكان عبدالله بن رواحه يعيرهم بالكفر، وينسبهم إليه، ويعلم أن ليس فيهم شيء شر من الكفر فكانوا في ذلك الزمان أشد شيء عليهم