فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 160

أجب عن هذه الإشكالات أولًا، ثم اعترض بكلام الذهبي.

الوقفة الثانية: أما دعوى أن الذهبي استقرأ، فإني لا أدري إلى متى نُبيح لأنفسنا أن ندعي ما لا دليل عليه؟ ومتى سنترك ما نهانا الله عنه في قوله - تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] ؟

هل ادعى الذهبي ذلك، أو ادعاه له أحدُ العلماء الذين اطلعوا على استقرائه هذا؟!

ثم يأتي ما نقله الذهبي عن البخاري؛ ليبين لنا أن الذهبي كان معتمدًا في فهمه لكلام البخاري على هذه العبارة، لا على الاستقراء المدَّعى، وقد أجبنا آنفًا بعضَ الجواب عن عبارة البخاري التي نقلها الذهبي، وبيَّنا ما يحوم حولها من الشكوك، وما يحيط بها من الاحتمالات، وما يعارضها ويعترضها من الإشكالات.

أما أن يبقى طلبة العلم على هذا المنهج، وهو التسرع إلى دعاوى استقراءٍ ينسبونها إلى العلماء، فماذا سيفعلون إذا اختلف العلماء؟!

إذ لقائل أن يقول: إن الحافظ ابن حجر قد استقرأ كلام البخاري، فخرج بنتيجةٍ تقول عن قول البخاري (فيه نظر) : (وهذه عبارته فيمن يكون وسطًا) ، كما في بذل الماعون له (117) .

فماذا ستقول يا من اعتاد أن يدَّعي الاستقراء لأي عبارة أطلقها أحدُ أهل العلم؟!

الوقفة الثالثة: أما كلمة البخاري التي نقلها الذهبي، فقد نقلها المزي بلفظ آخر ينبغي الوقوف الطويل عنده ومعه.

فقد قال المزي في"تهذيب الكمال"- ترجمة عبدالكريم بن أبي المخارق - (18/ 265) : (قال الحافظ أبو محمد عبدالله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي: بيَّن مسلم جرحه في صدر كتابه، وأما البخاري فلم ينبه من أمره على شيء، فدلَّ أنه عنده على الاحتمال؛ لأنه قد قال في التاريخ: كلّ من لم أُبين فيه جُرْحة، فهو على الاحتمال، وإذا قلت: فيه نظر، فلا يحتمل) .

ولم أقف على هذه العبارة في تاريخي البخاري (الكبير، والأوسط) ، ولو كانت في واحدٍ منهما في نُسخ الكتابين في عصر المزي، لكان المزي من أولى الناس اطلاعًا عليها فيهما، ولما افتقر في نقله لها إلى هذا الحافظ الأندلسي.

وهذه العبارة النادرة (التي احتاج المزي أن ينقلها عن البخاري، بواسطة نقل غيره عن البخاري) - تحتاج إلى توضيح معناها؛ كي لا تبتر جملة منها عن باقيها، فيُدَّعى لها معنى غير مقصود قائلها؛ إذ لو قال قائل: إن البخاري قد قال: (إذا قلت: فيه نظر، فلا يحتمل) ، لدلَّ هذا السياق المبتور على معنى العبارة التي نقلها الذهبي؛ لكننا رأينا أن هذه العبارة النادرة لم تكن مبتورة هكذا، ولا جاءت بهذا المساق.

فهل لمساقها الذي وردت فيه أثرٌ في بيان معناها؟ وهل سيختلف معناها به عن معناها مبتورة كما سبق؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت