فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 160

عزائي في ذلك كله أننا في زمن الغُربة، حتى بين طلبة العلم.

فلقد كان الأولى بمن لديه إشكال أو اعتراض يلوح في ذهنه أن يسأل صاحب ذلك الجهدِ سؤالَ المستفيد؛ ليرى هل عنده جوابٌ عن إشكاله أو لا، أما أن يبادر بالاعتراض والنقض بذلك الأسلوب، فهذا فيه ما فيه مما سبقت الإشارة إليه.

إنَّ كثيرًا من طلبة العلم يسيرون على منهج يقول: إن من تكلم أخيرًا، فهو صاحب الحق، بغض النظر عن دليله، وماذا قال؟

ولأبين لكم - إخواني - أن هذا هو واقع كثير من طلبة العلم، فإنه لو كان أول من كتب في بيان معنى عبارة البخاري: (فيه نظر) هو الذي يفسرها بالضعف الشديد، وكان بذلك أول من أثار المسألة، واحتج لذلك بقول الذهبي في السير (12/ 441) نقلًا عن البخاري أنه قال: (إذا قلت: فلانٌ في حديثه نظر، فهو متهمٌ واهٍ) .

فجئت أنا لأردَّ عليه قائلًا: إن هذا القول غير صحيح؛ إذ أين قال البخاري هذا القول؟ أين عناه العلماء بهذا اللفظ؟ وكيف لنا أن نقبله وهو يعارض دلالة اللغة، ودلالة الاصطلاح العام، وفهم الترمذي (وكفى به) ، وفهم ابن عدي (وكفى به) ، وفهم ابن حجر (كما يأتي) ، ويعارض الاستقراء التامَّ الذي قام به باحثٌ مختص، والاستقراء الناقص الذي ظهر لي من خلال واقع كلام البخاري؟ إنه لا يمكن إلغاء هذه الدلالات كلها؛ لمجرد عبارة تعارضها، الله أعلم بصحتها، فإن صحت، فالله أعلم بسياقها.

إنني لا أشك لو كان هذا هو الذي وقع، لما أكثر أو كثيرٌ من طلبة العلم إلى قولي؛ لأنه الأخير، لا لأن ما فيه حقٌّ مؤيدٌ بالدليل.

هذا مع أن تلك الدلائل (بل بعضها) كافٍ - حقًّا وصدقًا - في عدم صحة الاعتماد على ما نقله الذهبي عن البخاري، في تلك العبارة المبتورة عن سياقها؛ إذ كم كان للسياق من صوارف تصرف اللفظ (إذا كان مبتورًا) عن ظاهره، هذا لو كانت العبارة ثابتةً صحيحةً، فلم تكن ضعيفة عن البخاري، أو رواية بالمعنى، لكنها أخلت بالمعنى.

وأنا أطالب من أبى إلا الاحتجاج بنقل الذهبي بالجواب عن الأسئلة التالية:

هل كان الترمذي لا يفهم كلام شيخه؟

هل كان ابن عدي يجهل مصطلح البخاري؟

كيف توجِّه ذلك النقل مع نتيجة الاستقراء التامّ الذي هو الحَكَم في تفسير المصطلحات؟

كيف نفعل مع أقوال البخاري الكثيرة المخالفة في دلالتها لما يقتضيه نقل الذهبي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت