فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 89

الفرع الأول: حكمة الطهارة:

ـ ففي حكمة الطهارة يوضح أنها مطلوبة لذاتها أولًا؛ فهي مطلوبة للنظافة، والنظافة مطلوبة من المسلمين: صلَّوا أم لم يصلوا، ولو لم تشرع لهم الصلاة لشرعت لهم الطهارة؛ لأن المسلم يجب أن يظهر نظيف الجسم والثوب؛ ليكون مثالًا للإنسان الفاضل في شكله، قبل أن يكون مثالًا للإنسان الفاضل في دينه؛ حتى لا يكون مظهره ـ إذا كان قبيحًا ـ سببًا لاستقباحه، ولاستقباح دينه معه.

يقول: ومما يؤيد هذا أن الطهارة جعلت شرطًا في صحة الصلاة ونحوها من العبادات، ولم تجعل شرطًا في صحة الصوم والزكاة ونحوهما، وليس لهذا من حكمة إلا أن الأصل في الصلاة أن تقام في جماعة، ولكل اجتماع آدابه من الحضور إليه في مظهر يليق به، ولا يؤذي أحدًا من المجتمعين، وأهم ما يطلب من آداب الاجتماع نظافة المظهر، وهو ما يظهر من جسم الإنسان وثوبه [1] .

الفرع الثاني: حكمة الصلاة:

ـ وفي حكمة الصلاة يقول: إنما شرعت لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ... وإنما نَهَتِ الصلاة عن الفحشاء والمنكر؛ لأن فيها الآداب التي تهذِّب النفس، وتنشر المحبة بين الناس، فلا يفحش بعضهم على بعض، ولا يأتي أحدهم منكرًا في حق الآخر؛ ولهذا خرج بها العرب عما كانوا عليه في جاهليتهم من العناد والتباغض والتفرق والفوضى إلى الامتثال والتحابِّ والاتحاد والنظام، ونهضوا بهذا أعظم نهوض، وكانت لهم به حضارة جمعت بين كمال الدنيا والآخرة، ولم تبلغ منزلتَها في هذا حضارة قديمة ولا حديثة [2] .

وهو هنا يبين الآثار التي تتحقق من إقامة الصلاة، ويمكن تقسيمها إلى آثار فردية، مثل: تهذيب النفس وكفها عن المنكرات، وآثار جماعية، مثل: نشر المحبة بين الناس.

الفرع الثالث: حكمة الحج:

ـ وفي الحج يقول: جاء الحج خاتمة ما أتى الإسلام به من عبادات، فجعله الغاية التي تنتهي إليها وتلتقي فيها معانيها وآدابها، وما الصلاة عنده إلا حج أصغر يتكرر كل يوم خمس مرات، ويُعِد النفس لذلك الحج الأكبر، وكذلك الزكاة فيها شيء من معنى الحج أيضًا؛ لأن أموال الأغنياء تحج فيها إلى الفقراء والمحتاجين، أو لأن نفوس الأغنياء تتجرد فيها من أثَرَتها وتتوجه إلى من هم دونها في المال، وكذلك الصوم مثل الصلاة والزكاة في ذلك؛ لأن النفس تحج فيه شهرًا كاملًا كل سنة، وتقصد فيه إلى رياضة جسمية ونفسية لها شأنها في حياتها؛ فهو حج أصغر أيضًا، فما في هذه العبادات الثلاث من معانٍ وآداب يأتي في الحج بقدر أعظم وأوفر؛ إذ هو انتزاع الإنسان نفسه من

(1) التوجيه الأدبي للعبادات: 49 - 50.

(2) السابق: 72، بتصرف يسير جدًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت