فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط، ولهذا قال تعالى:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (المائدة /87)
قاعدة نفيسة في النهى عن الغلو في الدين لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية [1] رحمه الله تعالى
يقول الشيخ في معرض حديثه عن غلو أهل الكتاب في دينهم"... ومثل ما رواه ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ـ غداة العقبة ـ وهو على ناقته"إلقط لي حصى فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الحذف [2] فجعل ينفضهن في كفه، ويقول أمثال هؤلاء فارموا"."
ثم قال"أيها الناس! إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عوف عن أبي جميلة عن زياد بن حصين عن أبي العالية عنه، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
والغلو: هو مجاوزة الحد بأن يزاد على حد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقادات، والأعمال من سائر الطوائف، وإياهم نهي الله عن الغلو في القرآن في قوله تعالى:
"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ" (النساء /171) .
وسبب هذا اللفظ العام رمي الحجار، وهو داخل فيه فالغلو فيه مثل رمي الحجارة الكبار ونحو ذلك، بناءًا على أنه قد بالغ في الحصى الصغار، ثم على ذلك بأن ما أهلك من كان قبلنا إلا الغلو في الدين كما تراه في النصارى ا. هـ
الأمة الإسلامية وسط بين أهل الكتاب
وقال في موضع آخر [3]
"وتوسطت هذه الأمة في الطهارة والنجاسة، وفي الحلال والحرام، وفي الأخلاق، ولم يجردوا الشدة كما فعله الأولون [4] ، ولم يجردوا الرأفة كما فعله الآخرون [5] ؛ بل عاملوا"
(1) ـ بتصرف من رسالة تحمل هذا العنوان وللمزيد"إقتصاد الصراط المستقيم"للشيخ ابن تيمية.
(2) ـ الحذف: وهو الحصى الصغير الذي يلهو به الأطفال ويحذفون به.
(3) ـ رسالة في ابن تيمية إلي ملك قبرص المعروفة باسم"الرسالة القبرصية" (ص/26) .
(4) ـ يعني اليهود.
(5) ـ يعني النصارى.