كلما تجتلي العيون عليه ... هو من خفقة لماء وطين
صاغها الله نفحة وحياها ... نسمة من هدى وفيض معين
وربما تسأل ويسأل غيرك كما سأل من قبلك. فنقول ويقول غيرك: ما غاية الوجود الإنساني في هذا الكون أو ما الغرض من وجود الإنسان في آفاق هذا الكون؟ فنقول لك:
الغاية من ذلك تجدها قارة في كتاب الله مصدرِ التشريع الإسلامي للكون ومن فيه ومن عليه واقرأ إن شئت قول الله تبارك وتعالى ممتنًا على العباد بنعمه من خلال الكون علوًا وسفلًا: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [1] .
هذا المشهد القرآني الفريد يعرض على القلب والعين مشهدًا كونيًا يجمع نعمة الخلق والإيجاد، ونعمة التسخير ونعمة الإيمان بهذا التسخير وموجده. والإيمان بوجود الله من أكبر الغايات التي من أجلها استخلف الإنسان في الكون وطلب منه الله أن يعمره ويستثمره وينميه حتى إذا ما أثمرت النعم أنتجت ثمرة الجهد ومن ثمرات الكدح والكد والتثمير والتعمير أن يتحقق شكر المنعم والإيمان به. ومن غير هذه الغاية لا معنى لوجود الكون وإنسانِ هذا الكون.
ومن غايات وجود الكون والتصاق الإنسان به أن ينظر بتأمل في آلائه وجماله وما يعطى بإذن ربه. وتلك الغاية يصورها الشاعر عمر بهاء الدين الأميري فيقول في نفس طويل يخرج الإنسان من أكداره إلى النقاء والصفاء. ومن هنا يقف الشاعر الأميري متأملًا في زاوية من زوايا الكون عبر رحلة من رحلاته من مدينة مكناس إلى مدينة فاس بالمغرب العربي فيقول:
إلى فاس من مكناس وحدي ترودني ... رؤى وتنأى بي وتغمرني صمتا
وللحسن من حولي صلاة أحسها ... بقلبي ولكن لا أجيد لها نعتا
زرابي وشاها الربيع ومدها ... من العين حتى الأفق ألوانها شتى
تيم فيها النور عن حبب السنا ... وجاءت حقول القمح في سهلها نبتا
(1) الزخرف (10، 11، 12) .