الصفحة 70 من 102

ومن هنا حُق للأديب المسلم أن يقف أمام هذا النظام البديع من أصغر مكونات المادة إلى الأجرام الهائلة في عصر تكشفت فيه للإنسان بعض أسرار الله في خلقه. فازداد السلم إيمانًا بما وقف عليه واطلع عليه وعرفه وأخذ يتابع بروحه ونفسه وفكره وحدسه جرم السماء وخلقها وفاعليتها. وتجدد ما فيها من أجرام إثر طلعة وغيوب في ظل قدرة الله وتأثيره فيما خلق. وعن هذه الصورة ينشدنا الشاعر الإسلامي. أحمد محمد صديق قائلا:

تباركت يا من أبدع الخلق صنعة ... ويا من له الآيات في الكون تشهد

تسير على وفق المشيئة لاتني ... مسخرة الأسباب لا تتردد

فمن ذا الذي يزجي السحاب فتنتشي ... به الأرض إذ يهمي السحاب الملبد؟؟

ومن ينبت الزيتون والزرع يانعا ... فتخضر وديان ويخضر جلمدا؟؟

ومن فتق الأكمام عن حسن منظر ... وأجرى مياه النهر فهي تزغرد؟

ومن أودع الأسرار في كل ذرة ... مسيرة فيها القوى تتولد؟

ومن علق الأجرام في قبة السماء ... وليست عن الأمر الإلهي تشرد؟

وأطلع شمسًا في الوجود وإنها ... حياة لنا في كل يوم تحدد؟

هذه الصورة الأدبية تفصح قائلة وتعرب مبينة أن فاعلية الكون ونظامه تتجلى في قدرة الله، وفي تذليله الأرض وتشكيلها بما يلائم الحياة على سطحها فوق تزويد الله لها بالتزاوج الذي يضمن الخصوبة والامتداد. وسخر الشمس والليل والنهار والهواء لتهيئة ذلك كله وإنضاجه. والفيصل في ذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [1] .

وقد كلف الله الإنسان بعمارة هذه الأرض واستخلفه فيها ليثمرها في ظل هدى الله، وسخر له الكون لمتطلبات استخلافه فما عليه إلا أن يتجه إلى هذا الكون ليقف على شيء من أسرار خلق الله فيه، وأن يتأمله

(1) الرعد الآية 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت