الحقيقة مع التصور الإسلامي للكون ومع الأدب الذي استطاع أن يصهر هذه القضايا في معدنه الأصيل حتى أخرجها للناس ماثلة للعيان في صور شاعرية فريدة ممتعة.
من هذه القضايا قضية الموقف المشترك في العبودية لله. أي أن الإنسان خلق لعبادة الله وتسبيحه وتقديسه وتعظيمه وتنزيهه وكذلك الكون كله مُسبح لله بل إن كل جزئية منه تشكل عالمًا فطريًا يعبد الله ويجري وفق تدبيره وتسخيره.
وتتضح لنا تلك القضية حين نتأمل الحكمة من خلق بعض الكائنات صامتها ومتحركها، وأن الوجود الذي برأه الله نجمًا كان أو كوكبًا أو إنسانًا أو حيوانًا أو طيرًا أو نباتًا كله خلق من صنع البديع في الخلق والإيجاد كله يتجه إلى الخالق بمقتضى ناموس الفطرة الكونية، ويجد طريقه إلى الله عن طريق خضوعه لأمره ونهيه وإذًا فالكون في التصور الإسلامي مرتبط بخالقه ارتباط العابد بالمعبود إن طوعًا وإن كرهًا: نعم: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) } [1] .
ومن هنا ندرك أن الأدب الإسلامي بهذا التصور هو الأدب الذي يتجه بالكلمة الشاعرة والجملة المعبرة والقصة المقصوصة إلى الطريق السوي لرسم صورة إيمانية في أذهان المتلقين.
ودليل ذلك أن هذا التصور استوقف طائفة كبيرة من شعراء العربية قدماء ومحدثين ومعاصرين فأبرزوا لنا الكون عالمًا عابدًا متبتلًا خاشعًا لله ومن ذلك قول أحمد شوقي في هذه المناجاة:
يتولّى البحارّ مهما ادلهمت ... منك في كل جانب لألاءُ
وإذا ما علت فذاك قيامّ ... وإذا ما رغت فذاك دعاءُ
فإذا راعها جلالك خرت ... هيبة فهي والبساط سواء
وتبرز الشاعرة فدوى طوقان صورة من الكون العابد المسبح لله في هذه المقطوعة فتقول:
(1) فصلت آية (11) .