أما ما أورده النقاد والأنبياء من البلاغيين والبلغاء عن معنى الإبداع ومفهومه فيكفينا ما أورده الناقد البلاغي بشر بن المعتمر في صحيفته التي حررها موضحًا ما يجب أن يسلكه الكاتب والخطيب والشاعر حين يخلو بنفسه ليؤلف كلامًا علميًا أو أدبيًا وخلاصة تلك الصحيفة مما نحن بصدده أن بشرًا يوصي الأدباء والعلماء بما يلي:
أن يتخير الأديب ساعة نشاطه فإن قليل تلك الساعة كثير تنثال فيه المعاني الدقيقة في إطار المباني المحكمة الدالة على الاختراع والإبداع.
وأن يعلم بأن مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال [1] .
فإذا استطاع الشاعر أن يأخذ بهذه المقاييس فإن كلامه ينضح بفضيلة السبق الدال على الإبداع والابتكار.
وممن أشار إلى مفهوم الإبداع من النقاد والأنبياء أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة) ذلك السفر النفيس الذي حوى أجناس الشعر ومحاسنه وتكلم على خصائصه وحد الشعر وبنيته والمطبوع والمصنوع منه وأوزانه وقوانينه، والمخترع والبديع منه. فقد عرف المخترع من الشعر بأنه الفن الذي لم يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء قبله نظيرًا له أو ما يقرب منه. قال:
"والتوليد أن يستخرج الشاعر معنى شاعر تقدمه أو يزيد فيه زيادة وتلك الزيادة تسمى التوليد. قال: وليس باختراع لما فيه من الاقتداء بغيره، ولا يقال له سرقة إذا كان ليس أخذًا على وجهه" [2] .
وهذا الكلام الأخير لابن رشيق يعيد إلى الذهن معنى الإتباع الذي لا يعد سرقة وإنما هو من قبيل توالد أو توارد الخواطر كما يعبر عنه النقد الأدبي الحديث. أو بالمحاكاة والتقليد غير أن الإتباع بهذه المعاني لا يمنع من الإبداع في العمل الأدبي ...
وكثيرة تلك الآراء والمسائل النقدية التي برزت في تضاعيف الجهود الأدبية والنقدية محددة معنى الإبداع والابتكار على غير مثال سابق ويمكن أن نختم القول حول هذه الآراء بما حرره قدامة بن جعفر في كتابه"نقد الشعر"عن مفهوم الائتلاف. ذلك الفن البديعي الذي يمكن أن نفهم من خلاله في ضوء ما درسه قدامة أنه يؤدى معنى الإبداع في البيت من الشعر لفظا ومضمونًا.
(1) الصناعتين لأبي هلال العسكري ص 140.
(2) العمدة لابن رشيق.