الصفحة 10 من 102

وصاغ ابن الرومي هذا الحديث الشريف في قوله:

عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب ... جج

فإن الداء أكثر ما تراه ... يحور عن الطعام أو الشراب

ج

ولعل من نافلة القول أن نسوق كلام الجاحظ في بسطه الخصائص الفنية لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان الجاحظ ممن لا يؤنس له ولا يرتاح لخلقه ومعتقده، ولكنه من المهرة في صناعة الكلام الأدبي.

يقول الجاحظ في بسط الخصائص الفنية لكلام الرسول الكريم - وفي هذا البسط يتجلى مفهوم الإبداع في الكلام النبوي الشريف بخاصة وفي الكلام الأدبي بعامة -.

وهو الكلام الذي قلَّ عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجلَّ عند الصنعة ونزه عن التكلف، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: قل: يا محمد {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) } [1] .

فكيف يكون كلامه متكلفًا وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعير، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمه، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة وشيد بالتأييد، ويسر بالتوفيق وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام مع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته لم تسقط له كلمة ولا زلت به قدم ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب ... إلى أن يقول الجاحظ في هذا المقام: لا يستعين بالخلابة ولا يستعمل المواربة ولا يهمز ولا يلمز ولا يبطئ ولا يعجل، ولم يسمع الناس بكلام - قط - أعم نفعًا ولا أقصد لفظًا ولا أعدل وزنًا ولا أجمل مذهبًا ولا أكرم مطلبًا ولا أحسن موقعًا ولا أسهل مخرجًا ولا أفسح مبنى ولا أبين في فحوى من كلامه صلى الله عليه وسلم [2] .

(1) سورة ص الآية (86) .

(2) البيان والتبيين للجاحظ جـ 2 ص 17 - 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت