الصفحة 64 من 88

ضبطه كان محل قبول لديها، أما إذا ثبت الحديث فلا تتردد في الأخذ به، وبالنسبة لموقفها من الحديث الضعيف فقد ترى رضي الله عنها رأيًا يوافق حديثًا ضعفه العلماء، فهذا الرأي منها يكون هو المُقدَّم على من لا دليل له (82) .

أفمن كان هذا منهجها من دقة، وضبط، وتوثيق، ونقل أمين لسُنة وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، وهيَ الصدّيقة بنت الصدَيق زوج الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، التي تعرف مغبة الوقوع في الكذب المتعمد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي أخذت عنها الأمة ربع أحكام المعاملات، ومات الرسول بين يديها وفي بيته الذي صار من بعده مقصدًا لكل طالب علم بعد أن وثقت الأمة كلها من أكابر الصحابة حتى التابعين في صدق التلقي عنها، أتكون وضاعةً للحديث؟! .. حقًا أمُنا إنها لا تعمى الأبصار وإنما تعمى القلوب التي في الصدور.

قُبِضَ صلى الله عليه وسلم بين حجر ونحر أمنا عائشة رضي الله عنها يوم الإثنين الموافق 12 من ربيع الأول سنة 11 للهجرة بعد الزوال، ودفن ليلة الأربعاء في حجرتها التي كانت تختص بها، شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة. لتتحمل أمهات المؤمنين عبء تبليغ الدين بين المسلمين، وتضاء حجراتهن الطاهرات بأنوار العلم النبوي اللوائى حملنَّ مشاعله، فيقصدهنَّ كل طالب فتوى، وسائل عن فهم المراد من الآيات الكريمات، وحديث شريف غاب عن سائله معناه وصحته. فقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يحفظن من حديثه الكثير ولا مثلًا لعائشة وأم سلمة ـ كما يذكر ابن سعد في طبقاته (83) .

صدق ابن سعد"ولا مثلًا لعائشة وأم سلمة"، فقد كانت أمنا أم سلمة من فقهاء الصحابة المعدودات في الافتاء، ولذلك فقد عدها ابن حزم من متوسطي الفتوى من الدرجة الثانية (84) فقد عوضت ما فاتها بكثرة الملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم، وحفظ كل ماينطق به فمه الشريف. ولصبرها وجهادها وهجرتها اختصها المولى تعالى بما اختص به عائشة فنزل القرآن الكريم في بيتها أكثر من مرة، ومن تلك المرات نزول آية التوبة عن أبي لبابة: {وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (85) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت