الصفحة 65 من 88

أما أمنا عائشة فقد كانت عالية الهمة، مجدة ومجتهدة في طلب العلم قبل أن تصبح عالمة وعلامة الإسلام، يشهد بهذا ابن كثير: (لم يكن في الأمم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها، فاقت نساء جنسها في العلم والحكمة، ورزقت في الفقه فهمًا، وفى الشعر حفظًا، وكانت لعلوم الشريعة وعاءً) .

يشهد بحبها للعلم وتوقها للتعلم، علم الطب الذي تعلمته من وفود العرب حين كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الأخير، ويصفون لها الأدواء التي تعالجه هىَّ بها.

تقف أمنا عائشة في دائرة علوم عصرها نقطة مركزية محورية، أدلت بدلوها في كل علم، وفي كل فن من الفنون؛ فهي في الحديث محدثة لا تباري، وفي الفقه لها سهم وافر من الفهم، وللقرآن الكريم مفسرة عليمة، ونسابة من نسابات العرب المشاهير، وإذا عدوا قصائد العرب حافظة ماهرة، وفي البلاغة حدث ولا حرج وتقف خطبها شاهدة بفصاحتها لاتحتاج لشهيد، وفي الطب نطاسية حفاظة لطب العرب، فحاروا من رصدوا سيرتها في قديم أو حديث كيف يجمعون علمها، وإلى أي علم ينسبونها، وهي المُجيدة الأريبة الخبيرة بدروب ومسالك كل علم جازته، حتى بزت أقرانها من الرجال في هذه العلوم يشهد بهذا استدراكها على كبار الصحابة، ومخالفتهم لها أحيانًا بما عندها من رأي أو سنة أو زيادة، يشهد لها الزركشي بكتابه الماتع:"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة"، كماغلبت لداتها من البيت النبوي الكريم، فشهد لها الجميع بتفوقها وامتيازها وتقدمها وسبقها بلا مرية أو جدال أو نفاق، ومازلت هذه الشهادات تترى بعد وفاتها رضي الله عنها من كل من اطلع على علمها، وعاين أقوالها وآرائها من خبراء العلم والفهم في كل ميدان، وهذا سرد يسير منتقى من شيءٍ كثير من العلماء الأقدمين والمحدثين:

شهد ابن القيم لعائشة حين عقد مفاضلة بينها وبين فاطمة رضي الله عنهما, فقال: (وإن أريد بالتفضيل التفضل بالعلم؛ فلا ريب أنّ عائشة أعلم وأنفع للأمة, وأدت إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرُها, واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها) (86) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت