سنة. وهذا الفارق الزمني في دخول البيت النبوي لاشك يشكل سببًا جوهريًا في كثرة وقلة المروي من الحديث الشريف بين الكريمتين الطاهرتين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما.
كما أن السيدة عائشة لم تنجب بعد زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يمر عليها من الأحزان مثلما مرعلى أم سلمة، من بُعْدِها عن ابنها وزوجها معذبة قرابة العام، وفقدها لزوجها رضي الله عنه، وبالتالي فبيت عائشة وعائشة مهيأ تمامًا لاستقبال الحديث النبوي، بينما تبقى أم سلمة موزعة النفس والجهد بين زوجها وأولادها مما سيأخذ من وقتها نصيبًا ليس بالكثير من متابعة الأحداث النبوية.
ومع ذكر ما تقدم فإن التاريخ يشهد لأمنا أم سلمة حُسن تربيتها لأولادها، وحُسن تبعلها لزوجها، وكثرة مروياتها لقوة حافظتها وعنايتها ومدى اهتمامها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى عُدَّت ثاني راوية للحديث بعد عائشة، إذ لها ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا (378) .
ومما يدلل على الفرق بين بيت عائشة وبيوت أخوتها المؤمنات من أزواج النبي الطاهرات هو اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم للتمريض فيه، وربما يفهم البعض أن سبب رغبته صلى الله عليها وسلم هو حبُّه لها، ولكننا ذكرنا سابقَا أن الله قد خصَّ السيدة عائشة رضي الله عنها بكثير من الفضائل ووهبها حظَا وافرًا من كمال العقل وقوة الذاكرة وسرعة الفهم والذكاء المتوقد والبديهة الواعية وقدرة التحصيل والاحاطة بكل ما يقع في متناول ذهنها، وملكة الاستنباط والاستخراج، وقوة نادرة للاجتهاد، إذن فلا غرابة أن يكون غرض الرسول صلى الله عليه وسلم التمريض في بيت عائشة بحفظ كل الأقوال والأفعال الصادرة من النبي صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة، والحق الذي لا مراء فيه أن المسلمين قد عرفوا الكثير من أمر نبيهم وأمر دينهم، وأحواله صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار، من أحاديث عائشة عن زوجها المحبوب عليه الصلاة والسلام (80) .
تتخلى روح البحث العلمي الأمين والرصين عن عالمنا الفذ، كما تخلى عنه الأدب أيضًا، وذلك حين يصم"الصدّيقة"بأنها"وضعت الحديث والروايات لصالحها وصالح أبي بكر"