الصفحة 8 من 60

وجاء في رسالة سطّرها بعض تلاميذ الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب حكاية الحالة المزرية لنجد آنذاك فقالوا:"ديننا قبل هذا الشيخ المجدد لم يبق منه إلا الدعوى والاسم، فوقعنا في الشرك، فقد ذبحنا للشياطين، ودعونا الصالحين، ونأتي الكهان، ولا نفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ولا بين توحيد الربوبية الذي أقرّ به مشركوا العرب، وتوحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل، ولا نفرق بين السنة والبدعة ... والشرك بالله يخطب به على منابرنا ... وكذلك تعطيل الصفات .. [1] ."

"إن بادية نجد عمومًا كانت تعيش في جاهلية جهلاء، فهي لا تعرف الشعائر الإسلامية من صلاة وزكاة وصيام وحج، وكانت تتحاكم فيما بينها بأعراف وتقاليد لا تمّت إلى الأحكام الإسلامية بصلة، ويتضح فيها الجور من جهة، والتساهل في إحقاق الحق من جهة أخرى. [2] "

وأيضًا أثبت ابن بشر أن للأعراب سبب ظاهر في التلبيس على الحاضرة وإضلالهم، فإن الحضر يذهبون إلى الأعراب لأجل التداوي، فزيّن لهم الأعراب الذبح لغير الله تعالى، وعدم التسمية على الذبيحة .. حتى طال عليهم الأمد واستفحل الشر وتتابع [3] .

إضافةً إلى ذلك فإن ذاك الوضع المتردي قد صوّره الشعراء، أمثال: راشد الخلاوي في هذه الأبيات: -

فإن سلت قومي يا منيع فلا تسل أحجار وأشجار يعبدون خايبه

عصاة قساة من حديد قلوبهم فلو أنهم من صمّ الأحجار ذايبه

فلا عندهم إلا إبليس عقيدهم فالبعض ابن له والبعض شايبه

تخليت عن قومي محا الله دارهم ... واهمي عليهم من نوامي نوايبه

تخليت عنهم يومهم غار دينهم ومن غار عنه الدين غارت مشاربه [4] .

والمقصود أن الواقع النجدي - قبيل الدعوة الإصلاحية - حافل بالانحرافات الدينية التي عمّت وطمّت، كما أثبته المؤرخون والعلماء والشعراء ومن خلال أمثلة بيّنة ووقائع محددة، فلا مسوَّغ لاتهام ابن غنام أو أن بشر ونحوهما بالمبالغة والتعميم في حكاية الواقع السيء لنجد.

(1) علماء نجد للبسام 4/ 367، 368.

(2) الحياة الاجتماعية لدى بادية نجد للعريني صـ 206.

(3) انظر: عنوان المجد 1/ 34.

(4) ديوان الخلاوي، صـ 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت