وقبل أن نتحدث عن واقع نجد ومدى تأثره بالتصوف، يجدر بنا أن نشير إلى أن تأثر بعض علماء نجد بالتصوف قد يكون امتدادًا لتأثر متأخري الحنابلة بالتصوف، فإن القاريء لتراجم الحنابلة في كتاب السحب الوابلة - على سبيل المثال - ليجد أعدادًا كبيرة من الحنابلة الذين تلبّسوا بالطرق الصوفية المحدثة [1] .
وأحسب أن التصوف لدى علماء نجد - قبل الدعوة الإصلاحية - أقل ظهورًا وتأثيرًا من تصوف الحنابلة في مصر والشام ونحوها، فأولئك الحنابلة ينتسبون إلى طرق صوفية، واحتفاء بلبس الخرقة، والتعبّد بالعزلة والخلوة، وغير ذلك من شطح الصوفية ومخاريقهم [2] ،و هذا ما لم يكن ظاهرًا لدى أولئك النجديين ولذا جزم بعض الباحثين أن الصوفية لم تكن ذات جذور في نجد [3] .
وعلى كلٍّ فإن جملة من هذا التعبّد مما ليس مشروعًا، قلد يلحظ في ثنايا كتب الفقه عند متأخري الحنابلة، فكتاب كشاف القناع عن الإقناع للبهوتي - رحمه الله - يحوي أمثلة متعددة على ذلك، مثل الذكر الجماعي، والتوسل بذوات الصالحين، والدعاء وقراءة القبور عند القبور، وشدّ الرحال لزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - [4] .
والبهوتي ومؤلفاته لها مكانتها ومنزلتها عند علماء نجد آنذاك، مع أن جملة من المسائل التي أباحها في كشاف القناع، قد منعها في"شرح منتهى الإرادات، وقد أشار - رحمه الله - في خطبة شرح منتهى الإرادات إلى أنه استفاد من كشاف القناع، فالكشاف متقدِّم على شرح منتهى الإرادات."
ومهما يكن فإن التصوف المحدث، وما يشتمله من عبادات مبتدعة، وأذكار غير مشروعة، وغلو في الأولياء ونحوهم، والافتتان بالقبور، وسائر البدع المتنوعة .. إن ذلك ليظهر على عموم الناس، بخلاف الأثر الكلامي النظري، فقد لا يظهر إلا على خاصة الناس من العلماء وأشباههم.
وهذا ما نلمسه في واقع نجد، فإن رسوم التصوف وشطحاته تلحظ من خلال معلومات متفرقة سواءً في رسائل العلماء وتقريراتهم، أو كتب التراجم والتاريخ، والأشعار والمنظومات.
(1) انظر: السحب الوابلة 1/ 22، 2/ 444، 753، 759، 806، 850، 863، 865، 868، 897، 3/ 979، 1020، 1036، 1119.
(2) انظر الإحالات السابقة، وانظر تعليق المحقق (العثيمين) 1/ 22، 23.
(3) انظر: الشيخ محمد بن عبدالوهاب لعبدالله العثيمين صـ 21.
(4) انظر: رسالة"المسائل العقدية التي خالف فيها بعض فقهاء الحنابلة إمام المذهب - كتاب كشاف القناع أنموذجًا-"لحمود السلامة، رسالة ماجستير- غير منشورة - جامعة الملك سعود.