يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من حافظ عليها فقد حفظ دينه، ولا دين لمن لا صلاة له [1] .
قلت: الناس في حفظهم للصلاة ومواظبتهم عليها أو تضيعهم لها يتفاوتون ما بين مسلم وكافر، ومنافق وظالم لنفسه، ومقتصد وسابق بالخيرات، فمن الناس من ترك الصلاة فلم يصلي دهره، ومنهم من يصلي أحيانًا، ويترك الصلاة أحيانًا أخرى، ومنهم من يؤخر الصلاة عن وقتها بلا عذر، ومنهم من يتخلف عن صلاة الجماعة، فلا تراه في المسجد إلا قليلًا، ومنهم من يصلي الصلوات الثلاث في جماعة، ويتغيب عن صلاة الفجر والعشاء، ومنهم من يصلي الصلوات الخمس في جماعة، لكنه لا يدري عن وضوئه وصلاته شيئًا، ومنهم من إذا فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام يرى أنه ... قد أضاع نفسه ....
فحفظ الرجل لصلاته أو تضيعه لها هي عنوان لما سواها من الأعمال التي تدل على صلاح الرجل من عدمه لذلك كانت المحافظة على الصلاة في وقتها من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد الى ربه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ (قال: الصلاة لوقتها قال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) [2] .
قال الطبري رحمه الله: إنما خص النبي صلى الله عليه وسلم هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات، فإن من ضيع الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها بدون عذر مع خفة مؤنتها عليه وعظيم فضلها، فهو لما سواها أضيع، ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل برًا، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك، فظهر أن الثلاثة تجتمع في
(1) انظر التمهيد لابن عبد البر ج 23/ 300.
(2) رواه البخاري ج 3/ 1025 رقم 2630، ومسلم ج 1/ 89 رقم 85.