الأخبار من نحو بعدها ما بيَّن أنها منسوخة، فعندهم ما يدل على هذه المطالب وقد ناظرنا غير واحد من أهل الكتاب وبينَّا لهم ذلك، وأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف، وصاروا يناظرون أهل دينهم ويبينون ما عندهم من الدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولكن هذه الفتيا لا تحتمل غير ذلك، وهذا من الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية، إذ عندهم من الشواهد والدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله واليوم الآخر ما يمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله .. قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأحقاف: 10] .
وقوله: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] .
قال تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} [يونس: 94] .
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشك ولم يسأل، ولكن هذا حكم معلق بشرط، والمعلق بالشرط يعدم عند عدمه، وفي ذلك سعة لمن شك أو أراد أن يحتجَّ أو يزداد يقينًا).
ويقول: (وقد خص الله تبارك وتعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بخصائص، ميَّزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجًا أفضل شرعة وأكمل منهاج، كما جعل أمته خير أمة أُخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة، هم خيرها وأكرمها على الله من جميع الأجناس، هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطًا عدلًا خيارًا، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله وكتبه وشرائع دينه، من الأمر والنهي والحلال والحرام، فأَمَرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، لم يحرم عليهم شيئًا من الطيبات كما حرَّم على اليهود، ولم يُحِل لهم شيئًا من الخبائث كما استحلتها النصارى، ولم يضيِّق عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيَّق على اليهود.
ولم يَرفَع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى، فلا يوجبون الطهارة من الجنابة ولا الوضوء للصلاة ولا اجتناب النجاسة في الصلاة، بل يَعُدُّ كثيرٌ من