يتطلب الأمر ذكره لو أنهم أكلوا كما تزعم الروايات المحرفة، ولكنه ذُكر في القرآن لأن الضيوف لم يأكلوا، مما أحدث في نفس إبراهيم الوجل والخوف .. !
ولو أن الأشخاص الذين جاءوا إلى إبراهيم قد أكلوا لكان أمرًا عاديًّا لا يقتضي الذكر والوقوف عليه، لا في التوراة ولا في القرآن.
وهنا نكتشف أن من حرَّف التوراة كان حريصًا على إثبات أن الملائكة قد أكلت، وأن إثبات ذلك عنده فيه إثبات لجانب كبير من جوانب التحريف عند اليهود والنصارى .. لأن اليهود قالوا: العزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله ..
وأن هذا القول عندهما قائم على بدعة التجسد الإلهي .. وأن بدعة التجسد عندهما تقتضي أن يمارس الإله المتجسد السلوك المرتبط بالصورة البشرية التي تجسَّد فيها ..
وأن الدليل على ذلك هو أكل الملائكة التي تجسدت في صورة بشرية رغم أن الملائكة بطبيعتها الملائكية لا تأكل ..
ومن هنا كان القرآن حريصًا على إثبات أن الملائكة لم تأكل؛ ليهدم هذا الجانب التحريفي عند هؤلاء الناس.
أما الدليل على أن مسألة أكل الملائكة كانت مقصودًا واضحًا في الآيات فهو السياق القرآني، حيث كان التركيز في سورة الحِجر على البُشرى بإسحاق: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ*إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ*قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ. قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ*قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} [الحجر: 51، 55] .
أما في سورة الذاريات، فإن مسألة الأكل جاءت في مساحة أكبر من مسألة البُشرى، مع أن البُشري هي موضوع اللقاء: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ*إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ*فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ*فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَاكُلُونَ*فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ*فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ