فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 656

ثم قال تعالى: (( وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه ) )ففرقٌ بين العبد المتقرِّب والرب المتقرَّب إليه.

ثم قال: (( ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ) )فبيَّن أنه يحبه بعد تقربه بالنوافل والفرائض، ثم قال: (( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ) )، وعند أهل الحلول والاتحاد العام أو الوحدة هو صدره وبطنه وظهره ورأسه وشَعره، وهو كل شيء، أو في كل شيء، قبل التقرب وبعده، وعند الخاص وأهل الحلول صار هو وهو كالنار والحديد، والماء واللبن [1] ، لا يختص بذلك آلة الإدراك والفعل!!

ثم قال تعالى: (( فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي ) )، وعلى قول هؤلاء: الرب هو الذي يسمع ويبصر ويبطش ويمشي، والرسول إنما قال: «فبي» ، ثم قال: (( ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ) )فجعل العبدَ سائلًا مستعيذًا، والرب مسئولًا مُستعاذًا به، وهذا يناقض الاتحاد.

وقوله: (( فبي يسمع ) )مثل قوله: (( أنا مع عبدي ما ذكرني .. وتحركت بي شفتاه ) )يريد به «المثال العلمي» [2] ، فيكون الله في قلبه؛ أي: معرفته ومحبته وهداه وموالاته، وهو «المثل العلمي» ، فبذاك الذي في قلبه يسمع ويبصر، ويبطش ويمشي.

والمخلوقُ إذا أحب المخلوقَ أعظمه أو أطاعه، يعبر عنه بمثل هذا فيقول: أنت في قلبي وفي فؤادي، وما زلت بين عيني، ومنه قول القائل:

(1) ولعلنا نلاحظ أن المثل الذي استخدمه ابن تيمية للتعبير عن تصور أهل الحلول والاتحاد بقوله: (كالنار والحديد، والماء واللبن) هو نفس المثل الذي يستخدمه النصارى في بدعة التجسد.

(2) لعلنا نلاحظ تكرار كلمة «المثال العلمي» في كلام ابن تيمية لذا كان من المهم فهمها، ومعناه أقصى درجة إدراك وإحساس بالحقيقة الخارجية في قلب الإنسان وعقله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت