نتوقف، في هذا المبحث الأول، عند كلمة التفسير بالشرح والتحليل، مع إيراد بعض النماذج التفسيرية للاستشهاد بها في مجال السوسيولوجيا الوضعية.
المطلب الأول: معنى التفسير
تعني كلمة التفسير (Explication) في مجال علم الاجتماع بصفة خاصة، والعلوم الإنسانية بصفة عامة، دراسة الظواهر المجتمعية على أساس ارتبطها السببي والعلٌي. بمعنى دراسة المتغيرات المستقلة والمتغيرات التابعة ضمن رؤية تجريبية وعلمية، بغية استصدار القوانين والنظريات، أو اختزال مجموعة من الظواهر في أقل عدد من العمليات المنطقية الصارمة. ومن ثم، يعد التفسير من أهم مبادئ الفكر العلمي أو الفكر الوضعي الموضوعي.
لذا، تشير كلمة السوسيولوجيا إلى هذا الجانب التفسيري الوضعي، بالربط بين مفهومين متضامين هما: علم ومجتمع. بمعنى أن السوسيولوجيا تدرس الظواهر المجتمعية دراسة علمية موضوعية، باستجلاء العلاقات السببية والارتباطية بين المتغيرات المدروسة، سواء أكانت مستقلة أم تابعة. وفي هذا الإطار، يقول مارسيل موس (Marcel Mauss) :"السوسيولوجيا هي كلمة وضعها أوجست كونت ليشير بها إلى العلم الذي يعنى بدراسة المجتمعات ... وكل ما تصادر عليه السوسيولوجيا هو، ببساطة، اعتبار أن ما يسمى بالوقائع الاجتماعية هي وقائع موجودة في الطبيعة. أي: إنها خاضعة لمبدإ النظام والحتمية الكونيين، وأنها، بالتالي، وقائع تنطوي على معقولية. [1] "
ويسمى التفسير أيضا بالنسق العليَ أو السببي عند عبد الله إبراهيم في كتابه (علم الاجتماع) ، ويعرفه قائلا:"قوام النسق العلي (السببي) تصور علاقة زمنية ثابتة بين الظواهر، بحيث يؤدي وجود ظاهرة ما، بالضرورة، إلى وجود الظاهرة الثانية. كما تشير العلاقة العلية بين ظاهرتين إلى ارتباط ضروري بينهما، بحيث تسبق واحدة منها زمنيا الأخرى. ولهذا، فإن للبعد الزمني أهمية في تحديد العلاقة العلية. ولقد عرف النسق العلٌي تحديا كبيرا مع ثورة الفيزياء الكبرى، وما رافقها من انتقادات وجهت إلى العلاقة العلية التي تسير في اتجاه واحد من العلة إلى المعلول."