الصفحة 18 من 34

على ذلك الكتاب والسنة، واستقر ذلك في فطر الخلق، وأقرت به العقول السليمة، فلم ينكره إلا من تغيرت فطرته، وفسد عقله.

قال تعالى: {سَبِّحْ اسمَ ربِكَ الأعلى} ، وقال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ} ، وقال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرَ فَوْقَ عِبَادِهِ} .

فللهِ تعالى جميع أنواع العلو، ولكن أَهل التحريف والتعطيل تلاعبوا بهذه الآيات الدالة على إثبات علو الله على خلقه، وحرفوها، وصرفوها عن ظاهرها الذي فطر الله عليه عباده، حتى البهائم مفطورة على أن الله في السماء. فقبَّح الله من كانت البهائم أحسن حالًا منه، وما أحسن ما قاله الإمام ابن خزيمة رحمه الله: (من لم يؤمن بأن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه، وطُرح على مزبلة) [1] .

وقتله ليس تعزيرًا، بل لردته وخروجه عن الإسلام، لإنكاره ما ثبت بالكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأُمة وأئمتها إجماعًا يعلمه الخاص والعام.

وفي: (ص194) : أنكر السَّقَّاف الجهمي نزول الرب جلا وعلا إلى السماء الدنيا وقال: (لا يمكن أن ينزل بذاته كما تتخيل المجسمة إلى السماء الدنيا؛ لأنَّ في ذلك حلول الخالق في المخلوق، وهو كفر بواح) .

أقول: ثبت بالنصوص القاطعة في"الصحيحين"وغيرهما أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر نزولًا يليق بجلاله.

وزَعْمُ السَّقَّاف أن من قال ينزل بذاته أنه مجسم حلولي: قول بلا علم {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} . والسَّقَّاف لا يفهم من نزول الخالق إلى السماء الدنيا إِلا كما يفهم من نزول المخلوقات، وهذا ظن الذين كفروا.

وقد اتفق الصحابة والتابعون وجميع علماء السلف على أَن الله تعالى ينزل إِلى السماء نزولًا حقيقيًا، ولا ينكر ذلك إلا أهل البدع من الجهمية وأَشباههم الذين اعتاضوا عن كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بآراء الجعد بن درهم والجهم بن صفوان رؤوس التعطيل.

(1) انظر"مختصر الصواعق المرسلة": (ص359) . وأنظر: كتاب"اجتماع الجيوش الإسلامية"لابن القيم. فقد قرر هذه المسألة أعظم تقرير وبسط عليها بسطًا موسعًا ومن قراءته تعلم فساد عقول الجهمية وكفرهم ومخالفتهم للفطر والكتب المنزلة من عند الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت