وولي الحق وليه، وعدو الحق عدوه، بل المخلوق إذا أحب المخلوق محبة تامة حصل بينهما نحو من هذا، حتى قد يتألم أحدهما بتألم الآخر، ويلتذ بلذته. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى) [1] ولهذا كان المؤمن يسره ما يسر المؤمنين، ويسوؤه ما يسوؤهم، ومن لم يكن كذلك لم يكن منهم. فهذا الاتحاد الذي بين المؤمنين: ليس هو أن ذات أحدهما هي بعينها ذات الآخر، ولا حلت فيه، بل هو توافقهما واتحادهما في الإيمان بالله ورسوله، وشعب ذلك: مثل محبة الله ورسوله، ومحبة ما يحب الله ورسوله، فإذا كان هذا معقولًا بين المؤمنين: فالعبد إذا كان موافقًا لربه تعالى فيما يحبه ويبغضه، ويأمر به وينهى عنه، ونحو ذلك مما يحبه الرب من عبده: كيف تكون ذات أحدهما هي الأخرى أو حالّة فيها؟ [2] قال الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري عند هذا الحديث (6502) : بعد كلام طويل وصل إلى قوله تعالى: (كنت سمعه الذي يسمع به) . أورد الروايات واختلافها، فقال: (وقد استشكل كيف يكون البارئ جل وعلا سمعه وبصره الخ؟ والجواب من أوجه، إلى أن وصل إلى قول الطوفي فقال: قال الطوفي: (اتفق العلماء ممن يعتد بقولهم أن هذا مجاز [3] وكناية عن نصرة العبدة وتأييده حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده بمنزلة الآلات التي يستعين بها لهذا وقع في رواية:(فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش) [4] قال: والاتحاديون زعموا أنه على حقيقته، وأن
(1) رواه البخاري في صحيحه كتاب الأدب (5552) . ومسلم كتاب البر والصلة (4685/ 4686/4687) . وأحمد في مسند الكوفيين (17632/ 17648/17667/ 7690/17706/ 17720/18542) .
(2) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 373/374) . وكتابي (البديل الإسلامي لجماعة العدل والإحسان) (2/ 59/60/ 322) . تحت عنوان (عبد السلام ياسين حلولي، عودة إلى السنة بفهم سلف الأمة) . وعنوان (شبهات الياسينيين والجواب عنها شبهة شبهة) .
(3) قلت: أنكر ابن القيم وجود المجاز في القرآن في كتابه (الصواعق المحرقة) . مع أن اسم كتابه الذي أنكر فيه المجاز مجاز، لأن كتابه ليس صاعقة حقيقة، وأثبته في مكان آخر، وكذا فعل الشنقيطي، والصحيح أن المجاز وارد في القرآن وفي السنة ما عدا في آيات الصفات، وقد بينت هذا في كتابي (الأسماء والصفات عند ابن حجر) .
(4) هكذا يفعل المحدثون لا يذكرون حكمًا من الحديث إلا بعد أن يجمعوا ألفاظه. لأن غريب الحديث يفسره غريب قال الإمام أحمد: (الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه: والحديث يفسر بعضه بعضًا) . وقال شيخ البخاري علي بن المديني: (الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه) . كما في (الجامع لأخلاق الراوي) . (2/ 212) . و (تصحيح الحديث عند الإمام ابن الصلاح) (ص:38) . انتهى من حاشية كتابنا: (إعلام الخائض بجواز مس المصحف للجنب والحائض ص:44) .