الصفحة 43 من 59

أبي زيد عبد الرحمن الصوفي: (طالبًا كشف الغطاء في طريق الصوفية، أهل التحقيق في التوحيد الذوقي [1] والمعرفة الوجدانية، هل يصح سلوكه والوصول به إلى المعرفة الذوقية، ورفع الحجاب عن العالم الروحاني تعلمًا من الكتب الموضوعة لأهله، واقتداء بأقوالهم الشارحة الوافية بشروط البداية والنهاية، كـ(الإحياء) للغزالي، و (الرعاية) كتاب للحارث المحاسبي. أم لا بد من شيخ يبيّن دلائله، ويَحذر غوائله، ويميز للمريد عند اشتباه الواردات والأحوال مسائله، فيتنزل منزلة الطبيب للمرضى، والإمام العادل للأمة الفوضى). ثم يعلق الأستاذ ياسين على هذا الهراء فيقول: (هذا هو السؤال: ما موقع الكتب وفائدتها ومردوديتها في السلوك القلبي؟ وهل لا بد من شيخ يُسَلِّمه المريد زمامَه كما تستسلم(الأمة الفوضى) للإمام العادل، وكما يستسلم المريض للطبيب؟. ثم حدد أهداف التصوف في ثلاث مجاهدات: مجاهدة التقوى، والاستقامة، والكشف فقال: (وأن طالب الاستقامة المجتهدَ لنيلها قد لا تسمو إرادته إلى أعلى ليطلب وجه الله، ومشاهدة أنوار الربوبية في حياته الدنيا ... ثم اعلم أن افتقار هذه المجاهدات إلى الشيخ المعلم، والمربي الناصح، ليس على سبيل واحدة. بل هو بعضها أكمال وأولى، وفي بعضها أحق وآكد، وفي بعضها أوجب، حتى إنه لا يمكن بدونه ... وأما مجاهدة الكشف والمشاهدة التي مطلوبها رفع الحجاب والاطلاع على العالَم الروحاني وملكوت السموات والأرض، فإنها مفتقرة إلى المعلم المربي، وهو الذي يعبَّر عنه بالشيخ، افتقار وجوب واضطرار، لا يسع غيره، ولا يمكن في الغالب حصولها بدونه ... إذا كان السالك نُصب عين الشيخ، وبمرأىً منه وتمحيص لأعماله وسلوكه، والشيخ قد سلك، وعلم فاسدَ الأحوال من صالحها، وعما ينشأ صالحُها وفاسدُها، وكيف ينشأ، وما يكون منها واصلًا، وما يكون قاطعًا، وكيف تترتب الأحوال المقدورة على الأعمال المقدورة، ومقدار الزكاء في الأعمال الذي يكون عنه الصفاء في الأحوال، وقد خبر ذلك كله ابتلاء والتجربة والمِرَان، يُقلِّد فيه الكتب والأخبار(إذا فعل السالك ذلك) استقام السلوك، وأُمِنَت المخاوف، وذهب الغرور. ويحاور عالمنا الجليل الحكيم طائفة الأخباريين العاكفين على الكتب، قال: فقال لهم (المدافع عن ضرورة الشيخ) : لِمَ اعتمدتم على الكتب وتركتم الاعتماد على شيوخ الطريقة، والقوم إنما عتمدوا على الشيوخ وتركوا الكتب؟ فقالوا: أصل السلوك إنما هو بالكتاب والسنة وما ينشأ عنهما. وها هي بأيدينا مسطورة، وناقلوها منتصبون لتعليمها وشيوخ هذه الطريقة من جُملتهم فما الذي يمنع

(1) الذوق عند الصوفية هو: (نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه، يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره) . انظر: (الإسلام غدا) (ص:64/ تحت باب: الذكر) . و (معجم مصطلح الصوفية) (ص:104) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت