قيمة أي كتاب تكمن في مدى قدرة القارئ من التوثق من مصداقية ما فيه، خاصة إذا كان الكتاب يختص في أمور الدين أو العقيدة.
وقد كان علماؤنا الأجلاء لا يقبلون خبرًا أو أثرًا يمس الدين إلا إذا تأكدوا من مصداقيته، وسنده الذي روي من خلاله، وإلا اعتبروه من الأكاذيب والدجليات التي يجب أن تحفظ السنة منه، ومن يتتبع أثار السلف الصالح يرى مدى احتياطهم في قبولهم لأي رواية تصل إليهم، ومما ورد عنهم أن هشام بن عروة قال: «إذا حدثك رجل بحديث فقل عمن هذا.» وكان الزهري إذا حدث أتى بالإسناد وكان يقول: «لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجه.» ويقصد بذلك أنه لا يصلح أن نقول خبرًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نبين للسامع المصدر الموثوق الذي استقينا منه هذا الخبر.
ويقول سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح، فبأي شيء يقاتل.» ويقول عبد الله ابن المبارك: «بيننا وبين القوم القوائم، يعني الإسناد.» وقال «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.» [1]
يتضح من الآثار السابقة منهج السلف الصالح في التوثق من الأخبار، ولو سألنا أنفسنا عن منهج عيسى داود في الكم الهائل من الروايات التي ساقها لنا، والطريقة التي يمكن أن نتوثق من خلالها مما ورد فيه، فسنجد ما يلي:
1 -أكثر أخباره من الجفر، ولئن كانت أكثر الفرق المارقة في الماضي على جرأتها في دين الله - سبحانه وتعالى - لم تبتدع إلا جفرًا واحدًا؛ فإن أجفار محمد عيسى داود لا متناهية [2] ، فالنسخ المتداولة من الجفر لم يستق منها المعلومات،
(1) انظر الآثار السابقة في [الخطيب: السنة قبل التدوين (223) ]
(2) (( ) فهناك الجفر الصغير والجفر الكبير والجفر الأحمر، ويضيف إليها جفر محمد بن الحسن الموجود عند ميم نون [انظر المفاجأة 473) وهناك جفر بادية حماة [المفاجأة (317) ] وهكذا لو تتبع القارئ أجفار محمد داود في كتابه المفاجأة فقط لوجدها عشرات الأجفار، واستغرب هل كلها كتبها علي - رضي الله عنه - كما يزعم ما لم تزعمه كل الفرق المارقة في الماضي التي لم تدع للإمام علي - رضي الله عنه - إلا جفرًا واحدًا.