الصفحة 92 من 127

قال السُّيوطيُّ في تعليقِ (( سننِ أبي داود ) )، والمسمَّى بـ (( مرقاةِ الصُّعود ) ): قال الخَطَّابيّ (1) : لا أعلمُ أحدًا من الفقهاءِ يبيحُ دمَ السَّارقِ وإن تكرَّرتْ منه السَّرقة، وقد يُخَرَّجُ على مذهبِ مالك (2) ، وهو أنَّ يكونَ هذا من المفسدين في الأرض، فإنَّ للإمامِ أن يجتهدَ في عقوبة، وإن زادَ على مقدارِ الحدود، فإن رأى أن يقتلَ قُتِل.

قلت: هذا من الحكمِ بالحقيقةِ الذي أَذِنَ فيه النَّبيٌّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مع الحكمِ بالشَّريعة، ولم يُؤذن في ذلك غيرُهُ من الأنبياء، بل أمروا أن يحكمُوا بالظَّاهرِ فقط، وأُذنَ للخضرِ أن يحكمَ بالباطن، ولم يُؤذنْ له أن يحكمَ بالظَّاهر. انتهى ملخصًا.

فهذه الأمورُ ونظائرُها ممَّا وردَ فيه الأمرُ بالقتلِ كما لا يخفى على ناظرِ كتبِ الحديث، ليس القتلُ فيها حدًَّا بل تعزيرًا وسياسة؛ وذلك لأنَّ شربَ المسكرِ ليس حدُّهُ وإن تكرَّرَ القتل.

وكذا السَّرقةُ وإن تكرَّرتْ ليس حدُّها القتل.

وكذا واطئ البهيمةِ لا حدَّ عليه، كما أفتى به ابن عبَّاسٍ (3) مع أنه الذي روى فيه عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأمرَ بالقتل، فعُلِمَ أنه ليس بحدٍّ بل سياسة.

(1) وهو حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخَطَّاب الخَطَّابي البُسْتِيّ، والخَطَّابيّ: نسبةً إلى جده الخَطَّاب، وقد صحح ابن خلِّكان أن اسمه حمد وليس أحمد، ومن مؤلفاته: (( معالم السنن في شرح سنن أبي داود ) )، و (( غريب الحديث ) )، و (( اعلام السنن في شرح البخاري ) (ت 388 هـ) . ينظر: (( وفيات ) ) (2: 214 - 216) ، (( الأنساب ) ) (3: 380) ، (( مقدمة التعليق الممجد ) ) (1: 99) .

(2) ينظر: (( مختصر خليل ) ) (ص 275) .

(3) في (( سنن أبي داود ) ) (4: 159) ، و (( جامع الترمذي ) ) (4: 56) ، و (( المستدرك ) ) (4: 396) ، و (( مصنف ابن أبي شيبة ) ) (5: 513) ، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت