جزاءٌ على مجموعِ أمرين؛ أحدهما: كفرهم. الثاني: أنهم أضافوا إلى الكفر أَنِ اتخذوا آيات الله واتخذوا رسله هزوًا، فلم يقتصروا على الردِّ عليهم وتكذيبهم حتى استهزءوا بهم [1] » أهـ
وقال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله:
«وقوله: {ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا} ؛ أي: إِنّما جازيناهم بهذا الجزاء بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزوًا استهزءوا بهم وكذَّبوهم أَشدّ التكذيب [2] » أهـ
وقال الإمام البقاعيُّ رحمه الله:
«فلم يكتفوا بالكفر الذي هو طعنٌ في الإلهية حتى ضمُّوا إليه الهزء الذي هو أعظم احتقار [3] » أهـ
فدلَّتْ الآية - مع الأقوال في تفسيرها - على مسائل؛ منها:
أَنَّ اقترانَ الاستهزاء بالكفر في سياقٍ واحدٍ مع اتحاد العقوبة عليهما؛ يعني: التسوية بينهما في الحكم، وهذا دالٌّ على أنَّ الاستهزاء بآيات الله - جل جلاله - كفرٌ لا شكَّ فيه.
ولعلَّ الإِخْبَار في الآية عن استهزائِهم بالآيات يكون تفسيرًا لما وقعوا فيه مِن كفرٍ، وأيًّا ما كان الأمر فالآية واضحة في تجريم الاستهزاء بالآيات، وبيان عقوبته، وكفر مرتكبه.
-وقال - جل جلاله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون (10) } ] الروم:9 - 10].
قال الإمام الطبريُّ رحمه الله تعالى:
«ثم كان آخر أمر مَن كفر مِن هؤلاء الذين أثاروا الأرض وعَمَروها، وجاءتهم رسلهم بالبينات بالله، وكذبوا رسلهم، فأساءوا بذلك مِن فعلهم: {السوأى} ؛ يعنى: الخلة التي هي أسوأ مِن فعلهم؛ أما في الدنيا: فالبَوَار والهلاك، وأما في الآخرة: فالنار لا يخرجون منها، ولا هم يستعتبون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل».
ثم أورد الإمام الطبريُّ رحمه الله بإسناده عن قتادة رحمه الله: «قوله: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى} : الذين أشركوا السَّوأَى؛ أي: النار» .
(1) «التفسير الكبير» للفخر الرازي (21/ 148) .
(2) «تفسير القرآن العظيم» (3/ 105) .
(3) «نظم الدرر» للبقاعي (12/ 149) .