أنزل الله تعالى رسالة الإسلام عامَّة وشاملة قائمة على العدل، وقد اكتنفت أفكارًا معينة تنظم شؤون الحياة وتعالج مشكلات الإنسان فأوجدت حضارة مميزة وحددت مفاهيم معينة وبلورت أذواق معتنقيها بدقّة وجعلت لهم وجهة نظر في حياة معيّنة وطريقة في العيش محددة، وأقامت مجتمعًا عادلًا متميزًا في أفكاره ومفاهيمه ومشاعره وأنظمته وأشخاص أفراده.
وبهذا الشمول وتلك السعة كفل لأحكامها التطبيقية النمو والتجدد على مدى الأزمان، وقد بذل الفقهاءُ الجهدَ، واستفرغوا الوسع في التطبيق والقياس، والتفريع مما كفل لأحكام الإسلام أن تلبي حاجات المجتمع المتجددة في ذاك الزمان الذي حكم به بشريعة الرحمن ثم وقف هذا الجهد عندما تخلى المجتمع عن الإسلام بتخليه عن شريعة الملك العلاّم، فغفى أبناؤه في أحضان التقليد وناموا على أحلام ماض مجيد حيارى تتقاذفهم الأهواء، وعلماء الأمّة في شغلٍ عنهم، كلٌّ بما يشغله ويرى أنه الأسلم.
ولما قامت النهضة الأوروبية الحديثة والأمّة على تلك الحال وجد الأوروبيون أمامهم أمّة لم يبق من مقوماتها الحقيقية شئ يذكر.
فالعقيدة خاملة، والسلوك منحرف والاستقامة معدومة والفِكْر جامد والاجتهاد معطل والفقه مفقود والبدع قائمة والسنة نائمة والوعي غائب حتى لكأنّ الأمّة ليست هي، فاهتبل الغَرْبيّون هذه الفرصة، واحتلوا البلاد وامتلكوا أزمة العباد، وغدت مقَاليد أمورنا بأيدي أعدائنا يقررون مصائرنا، وبتنا نلتمس عندهم الحل لمشكلات ومعضلات أوجدناها بأنفسنا، وشكلناها بأيدينا.