وإنجازها من خلال عزمات البشر في أحوالهم المتعددة، قد غطت جميع المساحات الممكنة والصعبة والمستحيلة معًا، الأمر الذي يمكّن المسلم في كل زمان ومكان من امتلاك القدرة على التعامل مع القيم وتمثلها في واقعه، من خلال استطاعته. ذلك أن أقدار التدين لا يمكن أن تستقر على حال واحدة، كما معلوم، وبالتالي فإن التكاليف لا يمكن أن تكون واحدة، ذلك أن الاستطاعات متفاوتة، والفروق الفردية أمر مقرر شرعًا وواقعًا، ولم تثبت عمليًا أقدار التدين عند حالة الكمال والاكتمال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة:3) ، وإنما تعرضت ما بعد حالة الاكتمال للهبوط والانتكاس .. وعليه فلا يمكن في حالة السقوط والهبوط في الاستطاعة الاقتداء بمرحلة الكمال التي تمثل القمة في الاستطاعة.
من هنا نقول: بأن لكل حالة ولكل استطاعة تكليفها وحكمها، أو فقهها بشكل عام، سواء تناول هذا الفقه النص أو محل النص الذي هو المُكلّف، فالاقتداء أو اختيار موقع الاقتداء والتأسي لا بد أن يتناسب مع حال المُكلف وواقعه واستطاعته وما يقابله من مسيرة السيرة العملية، فإذا استنفد المكلّف استطاعته واقتدى بما يوازيها أو يوافقها فقد أبرأ ذمته، وطبق الإسلام المقرر بالنسبة له في هذه الحالة وهذه الاستطاعة. وهذه لا يعني الانتقاص من أحكام الإسلام أو الانتقاص من التكليف وانكماش أبعاده، أو الانتقاء من الأحكام، وإنما يعني تحقيق التكليف عند تحقيق المناط .. ويبقى ما وراء ذلك ميدانًا للارتقاء والنمو والصعود وتطوير الإمكانات ورؤية المقاصد والأهداف النهائية.
أما الفوضى في الاقتداء وغياب تقدير الاستطاعات، واختلاط الإمكانات بالأمنيات، فقد كلف العمل الإسلامي -ولا يزال- الأثمان الباهظة، نتيجة للحسابات الخاطئة والمجازفات غير المبصرة، ذلك أن الأحكام الشرعية أو التكاليف الشرعية هي أشبه ما تكون بأدوية لعلاج الأدواء الواقعة في حياة الفرد والمجتمع، وقاية وعلاجًا، فهي كالصيدلية، لكن يبقى لكل داءٍ دواؤه، وبالتالي فلا يمكن أن يُعطى الدواء الواحد لكل داءٍ أو لكل مريض، فذلك عبث بالأحكام وجهل بالواقع وعجز في تقدير الاستطاعة.