فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 102

ولعل التدرج في أخذ الناس بأحكام التشريع، وأمثلته الكثيرة الواردة في ذلك والدالة عليه، وبيانها المتعدد في إجابات الرسول صلى الله عليه وسلم لكل سائل بحسب حاجته، وحتى في العصر الواحد والمجتمع الواحد، معروفة في مظانها من الكتاب والسنة للجميع، كما أن استمرار نزول القرآن على مدى' ثلاثة وعشرين عامًا، والفروق الواضحة في مواصفات الخطاب الذاتي والتكاليف الشرعية بين المكي والمدني، وبين النصر والهزيمة، وبين خطاب المعركة وخطاب الدعوة، وخطاب العقيدة وخطاب الحوار، وما إلى ذلك، إضافة إلى ما هو معلوم من مسيرة التشريع الإلهي وتطور النبوات وتعاليمها مع تطور المجتمعات واستطاعاتها، ونسخ الشرائع على مستوى النبوات والأحكام، وحتى على مستوى النبوة الواحدة، يعتبر مؤشرًا واضحًا على أن الحكم الشرعي والتكليف كان دائمًا منوطًا بالاستطاعة، حتى لنكاد نلمح أن ترتيب القرآن على غير أزمنة النزول هو دليل من بعض الوجوه على أن أقدار التدين تتفاوت، وأن الاستطاعة هي التي تحدد التكليف وليس الزمن، وعاء الفعل البشري، ومسيرة السيرة هي التي تحكم كل الاستطاعات، لدرجة يمكن أن نقول معها: إن الاستطاعة اليوم قد تستدعي حكمًا من أواخر ما نزل في القرآن، وأن حالة من الاستطاعة أخرى قد تستدعي حكمًا من أوائل ما نزل.

ولعل ترتيب القرآن على غير أزمنة النزول ما يزال يستدعي الكثير من التأمل، فالإنسان هو الذي يسخِّر الزمن، والاستطاعة هي التي تحدد مدى التكليف وليس الزمن الذي إذا تحكم بالفعل البشري وحدد مداه يلغي ويهمل إرادة الإنسان واستطاعته، ويحمله على أحكام قد تتجاوز طاقاته .. فالقرآن والسنة بأحكامهما غطيتا المساحات التي يمكن أن تعرض للبشرية في جميع أحوالها .. والفقه الحقيقي هو بتحديد التوافق بين التكليف والاستطاعة، أي بين النص ومحل تنزيله.

ويمكن القول: إن أسباب النزول، التي تعني فيما تعني المناسبات أو الحالات الاجتماعية أو الإشكالات التي تعرض لها المجتمع محل التنزيل فجاء النص معالجًا لها، تعطي مؤشرًا واضحًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت