أن النص أو التكليف جاء استجابة وحلًا للحالة التي يعاني منها الناس، ليكون أنموذجًا يجرد من الزمان والمكان ويولد في كل زمان ومكان، ذلك أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول علماء الأصول.
فأسباب النزول لا تخرج عن كونها وسائل معينة لكيفية تنزيل النص على الواقع ومعالجة مشكلاته .. صحيح أن هناك آيات كثيرة لم تتوفر لها أسباب نزول، إلا أن أسباب النزول تبقى علمًا مهمًا جدًا في التدليل على تقدير الاستطاعات وما يناسبها من الأحكام.
ولا نذهب مع من يجازف ويتجاوز فيقول: إن الواقع هو الذي استدعى الحكم ووجهه وتحكم بالتنزيل، فجعل الواقع متحكمًا بالنص وحاكمًا عليه وليس النص هو الذي يعالج الواقع ويرتقي به ويعالج مشكلاته ولا يقره على حاله، لأن كثيرًا من الآيات -كما أشرنا- لا سبب نزول لها، وأن لبعض الآيات أكثر من سبب نزول، وأن القرآن نزل للزمن ولكل المجتمعات .. وأسباب النزول هي نماذج ووسائل لزمن وعصر معين بحسب الظاهر، إضافة إلى ذلك تمثل وسائل معينة على فهم النص وتنزيله على الواقع الذي يعاني منه الناس لكل زمان ومكان، ليشكل فقهًا ودليلًا هاديًا لكل الأحوال المشابهة والوقائع المماثلة.
ولا أدل على فقه الواقع، أو فقه التعامل مع الواقع، وأهمية إدراك أبعاد الاستطاعة قبل تحديد مدى التكليف وتنزيل الحكم على محله (الإنسان المكلّف) ، ومدى توفر شروط الاستطاعة، من الفقه الواقعي للنبوة، محل التأسي والاقتداء، مما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت! قال: مالَكَ؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا،(وفي رواية قال: ما أملك رقبة غيرها، وضرب على صفحة رقبته) قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، (وفي رواية: هل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟) فقال: هل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا، (وفي رواية قال: والذي بعثك بالحق ما لنا طعام) ، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على