فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 102

ذلك أُتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر، قال: أين السائل؟ قال أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لا بتيها - يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهلي بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك) (البخاري، كتاب الصيام) .

والذي يبدو لي أن أي كلام أو شرح بين يدي هذا الحديث قد يشكل حاجزًا دون تلقي عطاء النبوة مباشرة، فلقد تنوع الحكم وتطور، متنقلًا من التعرف على حال من الاستطاعة إلى حالة أخرى، حتى استقر بأن يأخذ الكفارة من فعل الخطأ نفسه، ويفيد منها يُطْعِم أهله، وهو الذي كان في ظاهر الأمر محل إخراج الكفارة. هذا هو فقه النبوة .. فأين علماء المسلمين ودعاتهم وفقهاؤهم من هذا الفقه الرائع للتعامل مع الواقع؟

وحسبنا أن نقول: إنه فقه النبوة، أو إنها النبوة التي يقتضي التأسي فيها ديمومة النظر والمراجعة حتى لا نجانب الصواب .. فكم كانت بعض الفتاوى فاقدة لمحالها؟ وكم أورثت بعض الفتاوى العنت والحرج وتعذيب الناس بدل تهذيبهم، لعدم إدراك أحوالهم واستطاعتهم؟ وبدل أن تثير الاقتداء والإقبال على هذا الدين كانت حاجزًا نفسيًا يحول دون التدين ويؤدي إلى عكس حكمة تشريعه. وقد يكون ذلك عن حسن نية ورغبة في الخير، ولكن المشكلة، كل المشكلة، في غياب الفقه عن إدراك المحل والشروط المطلوب توافرها في محل الحكم ليحصل التكليف وينزل الحكم.

ومن القضايا الجديرة بلفت النظر والتنبه لها، أن الاعتراف بالواقع لا يعني إقراره على ما هو عليه من الخطأ والتخلف والظلم والجهل والاستبداد، أو الخضوع له، والتنازل عن قيم الكتاب والسنة، والافتتان عن بعض ما أنزل الله، أو العدول عن تقويمه بقيم الكتاب والسنة، وتحريف كيفية التعامل معها من خلال واقع الناس والخضوع له وإقراره باسم الواقعية، وإنما يعني أن البدء في أية عملية للتنمية والنهوض والارتقاء لا بد أن تأخذ في اعتبارها هذا الواقع وأن لا تتجاهله، لأن تجاهل الواقع والقفز من فوقه وعدم أخذه بعين الاعتبار هو استنباتٌ للبذور في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت