الهواء بدل زرعها في الأرض .. أما التنازل عن القيم، وتجميد الفاعلية، وإقرار الظلم، والعدول عن الحق، والتوقف والاستنقاع الحضاري باسم الواقعية، فهو فقدان للإرادة، وانتحار جماعي، وانحدار بشري، وقضاء على أي أمل في الإصلاح.
إن فقه الواقع والتعرف إلى مشكلاته هو سبيل للارتقاء به، وتنزيل الأحكام عليه، والأخذ بيده شيئًا فشيئًا لتقويمه بشرع الله.
وسبق أن قلنا: بأن الإسلام الذي غطى بأحكامه مساحات الحياة كلها، يبدأ مع الإنسان من حيث هو، يرتقي به حتى يبلغ الكمال في المحصلة النهائية للدعوة والتربية .. وهنا شبهة قد يكون من المفيد طرحها وهي القول: بأن هذا الواقع وما فيه من مشكلات لم يأت ثمرة لتطبيق أحكام الله وشرعه، وإنما تشكل بسبب عدوله عن شرع الله إلى شرائع أخرى، لذلك فالإسلام ليس مسؤولًا عما في الواقع من إشكاليات، وإنما المسؤول عنها القيم التي أورثتها.
وهذه المسؤولية صحيحة من وجه، ومحل نظر من أوجه .. هي صحيحة من حيث إن هذه المشكلات دليل على فساد القيم التي سببتها وسبيل إدانتها، وإنه لا يحاسب عليها الإسلام لأنها ثمرة لتطبيق غير نظامه .. ومحل نظر من جهة أن هذا المجتمع بمشكلاته وعلله هو محل دعوة الإسلام، وحلول الإسلام، وتنزيل أحكام الإسلام، لاستنقاذه مما هو فيه .. فالإسلام مسؤول عن إنقاذ المجتمع، ومعالجة أمراضه، والتحول به إلى الخير، والنهوض به إلى الصلاح، ولو كان فساد المجتمع ومشكلاته المتحكمة بإنسانه متأتية من عقائد وشرائع أخرى، فإدانة المجتمع لا تقدم حلًا منقذًا، والسقوط في وحل المجتمع باسم الواقعية لا يغير حالًا. وإنما السبيل هو فقه هذا المجتمع، والتبصر بكيفية أخذه بأحكام الله، ودراسة استطاعته، وتنزيل ما يناسبه في هذه المرحلة، ليشكل ذلك لبنة للارتقاء عليها إلى لبنة أخرى ليقوم البناء، فالنبوة الخاتمة كلها تمثل لبنة في بناء النبوة التاريخي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن مَثلي ومَثَلَ الأنبياء من قبلي، كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأحْسَنهُ وأجْمَلَهُ، إلا موضعَ لبنةٍ من زاويةٍ، فجعلَ الناسُ يطوفونَ بهِ ويعجبون لَهُ، ويقولون: هلاّ وُضِعَتْ هذه اللبنةُ، قال: فأنا اللبنة وأنا