واستطاعته، إلى جانب الأدلة النظرية والبراهين العقلية، أن هذه الأحكام تمثلت وتجسدت في أنموذج بشري، وتحققت من خلال عزمات البشر، وأن التجربة الأولى أو بناء الأنموذج (السيرة العملية) مرت بجميع مراحل الاستطاعة الاجتماعية، وتعاملت معها، ولم تكن الأحكام قوالب حديدية لصب المجتمعات فيها مهما كانت استطاعاتها.
ومن هنا ندرك لماذا ابتعث الله الرسول من البشر، وكيف أن ذلك شكل إشكالية للكافرين لعدم إدراكهم لأبعاد هذا الابتعاث، حيث قال الذين كفروا لرسلهم: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد أباؤنا فأتونا بسلطان} (إبراهيم:10) .
إن ابتعاث الرسول من البشر، الذي يجري عليه ما يجري على سائر البشر من الضعف والقوة والصحة والمرض، إلا ما كان بسبب الاتصال بالوحي تسديدًا وتأييدًا، والعصمة من أي مناقضة للنبوة والبلاغ أو خرم لوسائلها، هو الأمر الطبيعي .. إذ كيف يمكن أن يشكل قدوة وأنموذجًا للبشر ودليلًا على واقعية الأحكام الشرعية وإمكانية تجسدها من حياة البشر من لا يحس إحساس البشر ولا يطيق طاقاتهم ولا يتعرض لعوارضهم؟ لذلك نقول: إن الإشكالية، كل الإشكالية، ألا يكون الرسول من البشر.
والغريب العجيب أن ينكر الكفار نبوة البشر من مثلهم، ويكفرون بها خوفًا من تميز الرسل عليهم وممارسة التشريع لهم، ولا يدركون أنهم واسطة الوحي، وأن التشريع من الله، وهم أدوات التوصيل والتبليغ والتطبيق على أنفسهم أولًا، ولا ينكرون أو يتنكرون لتسلط البشر عليهم، والتشريع لهم، والخضوع إليهم بدل الخضوع لشرع الله، الذي يوقف التميز والتسلط ويحقق التحرر والمساواة.
ومن هنا يمكن القول: بأن تطبيق الإسلام لا يعني استكمال تنزيل أحكامه كلها في حالة الاستطاعة الكاملة فقط، وإنما يعني استكمال تنزيل ما يقع من أحكامه ضمن نطاق الاستطاعة، حيث بالاستطاعة يُحدّد التكليف، فحيثما استفرغت الاستطاعة حصل تطبيق