فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 102

أن تقبل تنزيل أحكام الدين، لأنها تربت على قيم أخرى مناقضة.

لذلك نقول مرة أخرى: بأن الإسلام يبدأ مع الإنسان والمجتمع من حيث هو، وينزل عليه من الأحكام ما يتناسب مع استطاعته ومرحلته وحالته .. وهذه الأحكام تعتبر حدود تكليفه، أو غاية تكليفه، فإذا تأهل بها وترقت استطاعته نزّل عليه من الأحكام ما يتناسب معها وهكذا .. فالمجتمع يتأهل بالإسلام لتنزيل أحكام الإسلام .. وحسبنا أن نقول: إن المجتمعات الكافرة محل لخطاب الإسلام، فكيف بمجتمعات المسلمين؟

ومن الأمور التي نرى أنه من المهم التنبه لها والتنبيه إليها، أن التكليف الشرعي ابتداءً، بعمومه ومراحله ومراتبه، إنما يقع ضمن الوسع والإمكان البشري، إذ لا يمكن عقلًا ولا واقعًا تكليف الإنسان بما لا يطيق .. فالتكليف لا يمكن أن يتجاوز حدود الطاقة البشرية بظروفها المتعددة، من أدنى مراتب الحكم الشرعي في الندب والاستحباب إلى أعلى مراتبه في الفرضية والوجوب .. وأن أحكام الشريعة متناسبة مع عزمات البشر .. وأن الحكم الشرعي لتهذيب الإنسان -كما أسلفنا- لا تعذيبه .. وأن الله الذي خلق الإنسان والظروف والزمان أعلم بقدرات الإنسان وحاجاته الأصلية، وبذلك لا يمكن أن يكلفه فوق طاقته، فالإسلام دين الفطرة: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (الملك:14) فالتكليف والإرهاق وتجاوز الطاقة وعدم الاعتراف بالحاجات الأصلية يمكن أن يلحق بتشريعات البشر، أصحاب العلم المحدود، والعقل المحدود، والخضوع لظروف الزمان والمكان .. أما شرع الله فهو أحكامه لمن خلقه وعلمه.

لذلك يمكن القول: إن بين الإنسان المخلوق وأحكام الله الخالق تواعد والتقاء، وحتى لو بدا لنا صعوبة ومشقة بعض الأحكام أحيانًا في النتائج القريبة فلا نلبث أن ندرك أبعاها وعطاءها في العواقب، والعبرة بالعواقب والمآلات دائمًا.

والذي يؤكد على أن الأحكام الشرعية أو التكليف ابتداءً متوافق مع كينونة الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت