والإنسان من حيث هو، فينزل عليه الأحكام المناسبة لاستطاعته.
وبهذا إذا توازت الاستطاعات مع الأحكام، وتنزلت على قدرها، يكون المجتمع بذلك قد طبق الإسلام المكلف به في هذه المرحلة من استطاعته، وهكذا يترقى ويتدرج في تنزيل أحكام الإسلام في ضوء التدرج والارتقاء في استطاعاته وإمكاناته، لأن الأحكام الخارجة عن استطاعته لا يقع عليه التكليف بها في هذه المرحلة.
ونحب أن ننوه هنا إلى أن الأحكام الإسلامية في مجتمع القدوة والسيرة العملية لم تغب لحظة واحدة من مسيرة الدعوة، وإنما كانت حاضرة منسجمة مع الإمكانات والاستطاعات المتوفرة في كل المراحل .. وقد مر المجتمع الأنموذج أوالمجتمع القدوة بعدة مراحل وعدة استطاعات، وكان لكل حالة أو مرحلة أحكامها، ففي مجتمع مكة مع بدء الوحي نزّل الرسول صلى الله عليه وسلم الأحكام واتصل بالناس، وخلال ثلاثة عشرة سنة طبق الأحكام الشرعية الممكنة والمتناسبة مع واقع المجتمع المكي واستطاعة القائمين بأمر الدين .. فهو في مكة مطبق لأحكام الإسلام .. وهو في طريقه إلى المدينة مطبق لأحكام الإسلام .. والذين قضوا من الصحابة في مكة أو في الطريق إلى المدينة فقد طبقوا الإسلام المكلفين به في تلك المرحلة .. والرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة طبق أحكام الإسلام .. وفي بدر وأحد وحنين .. ولكل مرحلة استطاعتها وحكمها وتكليفها.
لذلك فالانتظار لتحضير المجتمع لتطبيق الشريعة جهل بسبل التغيير الاجتماعي في المجتمع، وجهل بأحكام الشريعة، وفي آليات التنزيل، وأبعاد التكليف، وفقه الحالة والمرحلة.
والخطأ الثاني: هو أن الادعاء بضرورة التأهيل للمجتمع لتنزيل أحكام الشرع عليه لا يقل خطورة عن الخطأ الأول، إذ كيف يمكن أن تؤهل المجتمعات بقوانين ومبادئ وثقافات ودعوات ومناهج ليست إسلامية ابتداءً لتكون محلًا لتنزيل أحكام الإسلام؟ ذلك أن العكس هو الصحيح هنا، فالمجتمعات التي تؤهل بغير القيم والمبادئ الإسلامية لا يمكن بحال