وقد يكون من المفيد أن نتوقف قليلًا عند هذه النقطة، فنلقي عليها بعض الضوء بما يمكن أن يتسع له المجال، فنقول: لقد استقرأ كثير من العلماء التكاليف الشرعية، أوامرها ونواهيها، في العقيدة والشريعة والعبادة والأخلاق، في الأصول والفروع، وأخذوا بعين الاعتبار أيضًا مراتب الحكم الشرعي في الفعل والكف، أو في الأمر والنهي، وخلصوا إلى أن الشريعة (الدين) إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم، وحمايتهم من المفاسد وما يفضي إليها، أي أنها تمحورت حول جلب المصالح ودرء المفاسد، وأن هذه المصالح لا تتحقق والمفاسد لا تدرأ إلا بتوفير ما اصطلحوا على تسميته الكليات الخمس، أو الضروريات الخمس، التي لا تستقيم الحياة وتستقر وتستمر بدونها، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال .. ورأوا، بعد التحري والاستقصاء والاستقراء، أن أي أمر أو نهي هو عائد إليها في نهاية المطاف، إما بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، وإنما شرع لتحقيق إحدى هذه الكليات الخمس، أو الضروريات الخمس.
فالدين: حاجة فطرية وضرورة حياتية، وعدم"الإكراه"، تحقيق لكرامة الإنسان؛ والنفس: إشباع غريزة الحياة، إقرارًا وحماية؛ والعقل: محل أهلية الإنسان وتميزه، يستلزم حق التفكير والإرادة والاختيار؛ والنسل: نزوع وحاجة أصلية للجنس الآخر، يقتضي الحق في ممارسة الجنس بالطرق المشروعة وحماية الأنساب؛ والمال: تلبية لنزعة التملك والاحتياز وما يترتب على ذلك من حق التصرف والتملك والأهلية ... إلخ، ولذلك اعتبر الإسلام هذه المقاصد من الثوابت الأساسية لاستقامة الحياة، ورتب على الإخلال بها أو الانتهاك لها عقوبات رادعة.