فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 123

لقد اعتبر الإسلام الاعتداء على هذه الحقوق جريمة كبرى، وعظم أمرها، كما أنه لم يدع أمر تحديد العقوبة لرأي البشر واجتهادهم، وإنما نص على الجريمة ونص على العقوبة وحددها، وما العقوبات الحدية في الإسلام، أو العقوبات المنصوص عليها، إلاّ حماية لهذه الحقوق الإنسانية الأساسية وراجعة إليها.

فالقصاص وحد الحرابة والفساد في الأرض، يحمي حق الحياة، فمن قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا، ويحقق الأمن الاجتماعي والنفسي؛ وحد السرقة، إضافة إلى تحريم الغش والاحتكار والربا والميسر والغصب وما وضع لها من عقوبات تعزيرية، يحمي حق التملك؛ وحد الشرب وتحريم المسكرات والمفترات يحمي حق العقل، محل التفكير والتعبير؛ وحد القذف يحمي حق صيانة الأعراض؛ وحد الزنى يحمي حق النسل وعدم اختلاط النسب؛ وحد الارتداد يحمي حق الاختيار والتدين والخروج على الجماعة والعبث بدينها (التارك لدينه المفارق للجماعة) .

وهكذا نرى أن الإسلام اعتبر الاعتداء على الحقوق الأساسية جريمة كبرى، ونص على عقوبتها بما أسمي بالحدود الشرعية، والحدود هي العقوبات النصية التي لا مجال للاجتهاد فيها.

وصحيح أن الحدود قد لا تنشئ حقوقًا أو مجتمعًا تسوده هذه الحقوق، وإنها وإن كانت تساهم بذلك، لكنها في الأصل لحماية هذه الحقوق وليس لإنشائها، وما وراء ذلك من الانتهاكات الجزئية لهذه الحقوق فترك أمر تحديد عقوباتها للاجتهاد بما أسمي بالتعزيرات .. فإذا كانت عمدة القانون الجنائي: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ليكون المواطن على بينة من أمره، أدركنا أهمية التنصيص على العقوبات والجرائم الكبرى، التي تنال كيان المجتمع وتنتهك حقوق الإنسان، والتي لم يترك أمرها للاجتهاد من جانب، وكيف أن هذا التنصيص تعليم للإنسان بأهمية النص على العقوبات التعزيرية الاجتهادية أيضًا، ليكون الإنسان على بينة مما يلحقه عند الفعل أوالامتناع عن الفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت