وقد لا نكون بحاجة إلى التأكيد بأن حقوق الإنسان في الإسلام إنما شرعت بأصل الخلق، ولم تأت ثمرة لمعاناة أو مظاهرات أو صراعات بين الحاكم والمحكوم، أو بين العمال وأصحاب المعامل، أو بين الطبقات الغنية والفقيرة، أو ثمرة للثورات والحروب، فانتزعت انتزاعًا .. وإنما هي مقاصد الدين وغاياته العليا، ورسالة النبوة التاريخية، وأن الصراع التاريخي بين النبوة والكافرين بها هو بين إنكار هذه الحقوق وتقريرها.
من هنا ندرك مقاصد النبوة الخاتمة"الإسلام"، التي تعتبر جماع النبوات من لدن آدم عليه السلام، والتي انتهت إليها أصول النبوات جميعًا، وأن المؤمن بها مؤمن بالنبوة التاريخية ومتلق عنها، قال تعالى: (( وَإِنَّ هَـ?ذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً و?حِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَ?تَّقُونِ ) ) (المؤمنون:52) ، وأن الصراع التاريخي كان بين التوحيد والتحرير وبين الخارجين عليه، الذين يريدون أن يجعلوا من أنفسهم آلهة تتسلط على الناس، بين إقرار حقوق الإنسان وبين انتهاكها، لذلك نرى أن مرتكزات العقيدة، والشريعة، والأخلاق، والمسالك، في الرسالة الخاتمة، جميعها تتمحور حول هذه الحقوق أو هذه المقاصد، إيمانًا وتشريعًا وممارسة ورقابة، للوقاية من الانتهاك لها، إلى درجة يمكن أن نقول معها: إن حقوق الإنسان في حقيقة الأمر هي مقاصد الشريعة، أو مقاصد الدين، وأن مقاصد الدين هي حقوق الإنسان في الإسلام.