وعلى أحسن الأحوال، فإننا نعيش في حالة ترقبٍ، انتظارًا لظهور البطل صاحب السلطة والقدرة الخارقة على قهر العدو، ومواجهة الخصم، يقدم حياته فداءً ويقاتل نيابة عنا، ليثأر لنا من (الآخر) ، الذي ندعي دائمًا أنه سبب تخلفنا؛ بدل إشاعة معاني البطولة في النفوس ليتطلع إليها أفراد الأمة جميعها، والبحث عن المؤهلات والصفات الموضوعية التي تنتج البطل والمبدع والمخترع والمتفوق، وتؤهل لنهوض الأمة، حتى أن بعضنا بات لا يكاد يبصر من تاريخنا إلاّ فترات الغزوات والانتصارات، أما ما هي المؤهلات التي حققت هذه الانتصارات، وأن نفقه لماذا شرعت تلك الغزوات، وماذا حققت هذه الانتصارات، وكيف تعاملت مع السنن والأقدار، وما قدمت من التضحيات، لتوفير حقوق الإنسان وحمايتها من الانتهاك، وكيف ساهمت في إقرار حرية التدين والاختيار، ولماذا شُرع الإقدام على الموت وتقديم الشهداء، فذلك لايزال من الفقه الغائب.
لقد أباح الإسلام قتل أعداء حرية الاختيار الذين يمارسون الفتنة - لأن الفتنة حرمان للإنسان من حق الاختيار- وقرر الشعار الكبير:"لا إكراه"، ولكن مع الأسف، فإن ذلك لا يزال يقرأ بأشكال مغلوطة، أو لا يحظى إلا بالقليل من الدراسات، لأن ذلك يقتضي اجتهادًا وتفكيرًا وجهدًا كبيرًا، بينما الكثير منا -حتى في المؤسسات الأكاديمية- لا يُحسن إلا الشحن والنقل من الماضي والتفريغ في الحاضر، ولو اختلف الزمان والمكان والإنسان، وذلك إلقاء بالتبعة على (الآخر) من بعض الوجوه أيضًا.