ولم يكتف الإسلام بأن جعلها قناعات فكرية ووصايا ومواعظ وآداب أخلاقية فقط، وَكَل أمر الالتزام بها إلى ضمير الإنسان وقناعته، وإنما أيد ذلك بتشريعات ملزمة وعقوبات صارمة لمن يخرج عليها، باعتبار أن لها بعدًا اجتماعيًا يتجاوز الإنسان، وأقام لها أيضًا الحراسات والرقابة العامة والمستمرة، من مهام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ما يسمى بمهام الحسبة بشكل عام، على مختلف الأصعدة، فالتقى بذلك الوازع الداخلي والرقابة الذاتية مع التشريع الملزم، مع الرقابات والحراسة الدائمة من داخل النفس ومن خارجها.
ويبقى الإيمان بيوم الحساب وقاية للناس من الإحباط والارتكاس والارتداد عن الالتزام بالحقوق، عند عدم تحصل النتائج في الدنيا، وبذلك يستمر الخير حتى ولو غاب إنفاذ التشريع الملزم أو تراجعت الرقابة العامة.
ولابد من العودة إلى التأكيد: بأن ما أتت به النبوة في الكتاب والسنة، في هذا المجال وفي غيره، هو عبارة عن قيم ومعايير ضابطة لمسيرة الحياة، وأن أمر التشريعات والبرامج والخطط والتأسيس والتأصيل لهذه القيم إنما نيط بالعقل البشري، ليرتقي بوسائل إقرار حقوق الإنسان ويحققها ويحميها ويطور لها الرقابات والمنظمات وآليات الاحتساب ضمن مرجعية القيم، وأن الكثير من التخاذل قد لحق بالأمة المسلمة، بسبب عجزها وتقصيرها في تطوير هذه الآليات.
لقد تطورت التشريعات وتطورت الآليات والتنظيمات، وتطورت وسائل الرقابة العامة حتى غدا الإعلام اليوم، المقروء والمسموع والمكتوب والمشاهد، سلطة رابعة من سلطات الدول، بل نكاد نقول: إنه يتطور ويتطور ليقفز إلى المقدمة فيكون السلطة الأولى، ذلك أن الرقابة ترقى بالأداء، وتصوب الخطو، وترشد إليه، وتكشف الخطأ، وتفضح الاختلاس والاختلال والرشاوى، لكنها في غياب القيم والمعايير الضابطة قد تتحول إلى وسيلة بيد أهل الظلم والاستكبار، فتجعل الحق باطلًا والباطل حقًا.