(وقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:22، 23) ، {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} (المطففين:23) {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (يونس: من الآية 26) ، {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} (قّ:35) وهذا الباب في كتاب الله كثير، من تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق).
الإيمان برؤية الله في الآخرة هو الاعتقاد الجازم بأن المؤمنين يرون ربهم عيانًا بأبصارهم في عرصة القيامة وفي الجنة، ويكلمهم ويكلمونه ومسألة الرؤية من المسائل التي وقع فيها النزاع بين أهل السنة وغيرهم، وقد اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون، والمخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة.
الآية الأولى: يخبر تعالى عن وجوه المؤمنين المخلصين يوم القيامة أنها حسنة بهية مشرقة مسرورة، مما هم فيه من نعيم القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي تنظر إلى ربها عيانًا بلا حجاب، قال جمهور العلماء: المراد بذلك ما تواتر به الأحاديث الصحيحة"من أن العباد المؤمنين ينظرون إلى ربهم يوم القيامة كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر".
قال ابن القيم رحمه الله: وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديه بأداة"إلى"الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدى بإلى خلاف حقيقته، وموضوعه صريح في أن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب جل جلاله فإن"النظر"له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله تعالى {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} (الحديد: من الآية 13) وإن عدي بفي فمعناه التفكر والاعتبار كقوله {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (لأعراف: من الآية 185) وإن عدي بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} (الأنعام: من الآية 99) فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر اهـ.