يتوجّه المراد على وِجْهة واحدة، وهي الإنسان. أما (الرجعى) فقد جاءت مجّردةً مما قد يحدِّد المقصود من حكم الرجوع، ولهذا فإن دلالتها لا تقف عند حدِّ الإنسان، بل تتجاوزه إلى كل خلقٍ خلقه الله - عز وجل - في الحياة الدنيا،
* أما الالتفات في قوله تعالى (ربك) ففيه مسألتان:
الأولى: أن المستويات التي يندرج في إطارها خلق الإنسان مؤسَّسةٌ على دلالات الربوبية التي تحملها كلمة (رب) : ربَّ الشئ: جمعه وملكه ونمّاه وأصلحه وأتمّه، أي أن هذه المعاني هي الروافد التي تنبعث من خلالها قدرة الله لإنشاء وحفظ حقائق خلق الإنسان، لتكون كلمة (ربك) من هذا الوجه خطًّا آخر من خطوط الشمولية، وإلا أنها شمولية خاصّة بكتاب خلق الإنسان. قد اختار جل شأنه كلمة (ربك) إشارة إلى تذكير الإنسان بتعلّق وجوده بفيوض هذه الكلمة ذو أثر بالغٍ في ردِّ الإنسان عن طغيانه إن كان ممن تنفعه الذكرى.
الثانية: استخدام ضمير الخطاب في آية الرجعى بعد استخدام ضمير الغيبة في الآيتين السابقتين التفات يحمل معنى التهديد لمن يٌعْرِض عن قراءة كلمات الله المسطورة والمنظور. وهذا المعنى تبرزه طبيعة استخدام الضميرين في اللغة، وهو أن الحديث عن شخصٍ مابضمير الغيبة يدل على أن هذا الشخص بعيد عن المتكلم. أما ضمير الخطاب فلا يٌسْتخدم من قِبَل المتكلّم إلا إذا كان المخاطب قريبًا منه، فإذا وظّفنا هذه الحالة في قراءة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في الآيات وجدنا مايلي:
إن الإنسان إذا انتهج منهج الطغيان كان ذلك مؤشرًا على أنه يحمل نفسًا وقلبًا أبعد مايكون عن الله تعالى. ومن المسلّم به أن الطاغية لايسترسل في طغيانه إلا لأنه ترك التعلّق بالله وتعلق بنفسه الأمارة بالسوء، وكل توافقه دلالة الغيبة في ضمير الغيبة. فكان أن أراد ربّ العالمين أن ينبّه الإنسان على أن الأمر على غير ما يظن