فتأمل كيف اتفق صريح قوله في هذا الحديث:"لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"مع ما أشار إليه الحديث الأول من هذا المعنى، الذى دل عليه كتاب الله تعالى أيضًا، وهو قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيِّر وا مَا بِأَنفُسِهِمْ} ، فثبت أن هدف الحديث إنما هو تحذير المسلمين من الاستمرار في"حب الدنيا وكراهية الموت"ويا له من هدف عظيم لو أن المسلمين تنبهوا له، وعملوا بمقتضاه، لصاروا سادة الدنيا، ولما رفرفت على أرضهم راية الكفار، ولكن لا بد من هذا الليل أن ينجلي، ليتحقق ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، من أن الإسلام سيعم الدنيا كلها، فقال عليه الصلاة والسلام:
"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر".
ومصداق هذا الحديث من كتاب الله تعالى قوله عز وجل: {يُرِ يدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورهُ وَلَوْ كَره الْكَافِرُ ونَ. هُوَ الَّذِي أَرْ سَلَ رَ سُولَهُ بِالْهُدَى? وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِره عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَره الْمُشْركُونَ} ، وصدق الله تعالى إذ يقول: {ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين} .
قلت: فدلَّ هذا الخبر الكريم على أنَّ ولايةَ الله ونصره يُرفعان عن أهل السوء، وذلك لأنَّ عدوَّ المسلمين لا ينتصرُ عليهم لقوَّتِه، وإنَّما ينتصرُ عليهم حين يتْركُهم ربُّهم، ويَكِلُهم إلى أنفسِهم، فهنالك تكون الغلبة لِمَن غلب.