وهو شبيه بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه:
"إنك امرئ فيك جاهلية"لم يقل أنت جاهلي، ومعناه أن فيك جزئية منهم وشابهتهم بهذه المقولة إذ عيّرتَ بلالا بأمه، وبوّب البخاري على هذا الحديث بقوله:
(المعاصي من أمر الجاهلية)
ولذلك كل من فيه معصية واحدة ففيه خلق من أخلاق الجاهلية، وإذا كان اثنتان فاثنتان، وعشر فعشر، ومن شاء أن يستزيد زاد، ومن شاء أن يستقل استقل، ففي كل خُلق من أخلاق الجاهلية على قدر ما فيه من المعاصي التي حرمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلّم أمته ويحذّرهم من الوقوع في هذه الدعاوي،"دعوها فإنها منتنة"لأنها تشق العصا نصفين فتكون الفرقة والاختلاف، لأن المهاجري قال: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، كلٌ منهما يستنصر بمن معه من المهاجرين، والأنصار.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"دعوها فإنها منتنة".
فالإنسان المؤمن لا ينتصر لصاحبه لكونه من أهله أو من قبيلته أو من بلده، فإن هذه من دعوى الجاهلية.
وإنما ينصر أخاه ظالما أو مظلوما، فإذا كان له الحق أخذ له، وإذا كان عليه الحق أخذه منه، فيكون مع الحق دائما، ولا يكون مع فلان لأنه من بلده، أو قبيلته أو حيه، أو شارعه، فإن هذه من دعوى الجاهلية، لأنه ينصر صاحبه ولو كان على الباطل، فنستطيع أن نخصص ولا نعمم هذا القول على كل الصحابة، فحاشاهم أن يكونوا في صف الباطل، فجاء اللفظ عاما فيه تحذير لكل الأمة، وإن كان الداعيان معروفين، فإلصاق التهمة بهما أولى من تعميم الأمر على الصحابة لأن النداء بالقومية العصبية مذموم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إذا الرجل تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا".
رواه أحمد 5/ 136 وغيره، وهو حديث حسن لغيره.
لكن قد تقول: فكيف تجاوب الصحابة مع هذين الغلامين في دعوتهم العصبية المذمومة؟!