الصفحة 33 من 613

إحسان الظن بهذه الدولة وتأييدها، بل صار عالمًا بخبثها وفسادها، ولم يكن الشيخ رحمه الله يستأنف أن يعد هذا من نعم الله عليه حين نفر إلى الجهاد في سبيل الله تعالى.

كان الشيخ سيء النظر إلى الطواغيت، ولا يحسن بهم الظن، وقد سمعت هذا منه مباشرة، لكن تربيته الإخوانية كانت حاجزًا في حسم مواقفه الفقهية منهم؛ فلم يكن صاحب تصور يحكم المعاملة معهم أو كيفية التصرف تجاههم، ولذلك كانت أحكامه مبنية على التصرف الفردي، والتجربة الذاتية، وهذا أوقعه في بعض من قال فيه الظلم، وحكم عليه بالجور، حتى وصل بعضهم جهلًا إلى تكفيره، إمَّا لغلوّ أصولهم لأنه لم يكفر الكافر كما كانوا يقولون، وإما لنصرته ودفاعه عن القبوريين والمشركين الأفغان -كما كان يقول غلاة السلفية المعاصرة-، وذهب بعضهم إلى تفسير تصرفاته أنها عملًا ضمن خطوط الجاهلية كما سمعته من آخرين، أي أنه كان يعمل ضمن خطوط المخابرات للدولة الفلانية أو الفلانية الأخرى، وعانى من هؤلاء جميعا، وهذه المسألة دعاية يسارية بامتياز، لأنهم هم من جعل الجهاد الأفغاني هو مؤامرة أمريكية ضد اليسار المقاوم، وهي دعاية ما زال يرددها حميرهم وتابعيهم.

والحق أن الشيخ كان من فقهه أن هذا الجهاد لا يحقق نتائجه في مثل ظروفه إلا بالعمل ضمن هذه الخطوط، ومن علم حال الشيخ عن قرب، أو بدراسة صادقة؛ رأى أن الشيخ لم يكن يعمل إلا للإسلام، والإسلام فقط، سواء أخطأ الشيخ في هذا الاختيار أم أصاب، فهذه قضية أخرى.

الشيخ عبد الله عزام هو أول شخصية إسلامية تحمل البعد الديني وتظهر بصورة المجاهد الذي يملأ ساحات العمل السياسي والقتالي كذلك، وهذه صورة لا يريدونها -أي الطواغيت وأعداء الإسلام- أبدًا، وتأمل أنت واقعنا حيث ترى صور مشايخ الشيعة المعممين يملؤون واقعهم، وأما في الواقع السني؛ فكل شخصية علمية لا يجوز لها أن تبرز في الميدان السياسي والقتالي، لأن هذا له أبعاده المستقبلية فيما يقدرون من المكر والإفساد.

لقد استطاع الشيخ عزام تجاوز هذا لوحده، ودون مساعدة تنظيم كما تقدم، بل بظروف قاسية لم يخدمه إلا شيء واحد، هو الذي اعتلاه ولم يرد أصحابه ذلك، وهو أن الجهاد الأفغاني وجد الرضى الدولي بالوقوف أمام الدب الروسي الشيوعي، فكان له الدعاية والدعم والتجنيد، وكان هذا من مكر الله بأعدائه كما قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ" (الأنفال 36) ، ومن قرأ تجربة الشيخ خارج هذا الإطار؛ كانت أحكامه من أفسد الأحكام، ولذلك اتهمه من اتهمه بالعمالة، سواء كان في الصف الإسلامي من أصحاب الفقه الأعوج والنظر الضعيف، أو من أصحاب السياسات التي ترفض الإسلام كله، وترفض أن يقوم لجهاد المسلمين إمام أمة كعبد الله عزام -رحمه الله تعالى-.

مضى الشيخ بكل مقاراباته لتحقيق النصر للجهاد الأفغاني، ولتحقيق جيل جهادي يعود إلى بلاده ليحقق الجهاد فيها، ومضت اختياراته الفقهية والسياسية، وحاول من حاول تدميره، كما حاول من حاول شراء حقوق الطبع لشخصه ورمزه، فهذا يريد إبعاد نموذجه، وهذا يريد تسويق نفسه على ماركته، وكلاهما مفلس ضائع، فماذا بقي من الشيخ بعد استشهاده وذهابه إلى ربه، وهو الذي لو بقي اليوم لكانت صورته تحاكم أشد المحاكمة، لما آل إليه قادة الجهاد الذين كان يمدحهم ويرفع من شأنهم؟ لكنها بركة الشهادة التي تمحو كل هذه التصورات، وهي بركة قدرية تمتد من يد الرحمن ورحمته لتمسح على الأولياء بإذن الله كل معاناتهم وآلامهم، فلا يبقى إلا هذا الكلمة:"الشهيد".

إن هذه اليد القدرية الحانية لم تكن لتقع بلا مقدمات من صاحبها؛ فهذا رجل لا يعرف عنه من أقرب الناس إليه إلا حب القرآن، والدفاع عن الدين، وبغض الكفار والمشركين، والحكمة الدقيقة في تحصيل المنافع ودفع المضار ككبار الفقهاء والمجتهدين، وهو الذي كان راكبًا في سيارته يومًا فأخذته هزة الإيمان ليصرخ:"متى تأتيني الشهادة؟"، كما حدثني من كان معه من محبيه وتلاميذه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت